ولعلّ تقديم الظرف هنا للإشعار بأنّ الشكر على الإلهام منحصرٌ « 1 » فيه تعالى ؛ إذ لا يشاركه في الإلهام أحدٌ ، والثناء بما قدّم من النعم على العباد قبل الاستحقاق لها ، أو بما قدّم من نعمة الإيجاد .
مِن عمومِ نِعَمٍ ابتدَأها ؛ إذ هو المبتدأ بالنعم قبل استحقاقها ، و « مِن » بيانٌ لما أبهمته الموصولات المتقدّمة ، وسُبوغِ أي إكمال آلاءٍ جمعُ إلى - بالفتح والقصر وقد تكسر الهمزة - هي النعماء ؛ كذا في النهاية « 2 » أسداها أي أولاها وأعطاها ، وتمامِ مِنَنٍ جمع منّة والاها « 3 » أي تابعها بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل .
جَمَّ أي كثر عن الإحصاءِ عددُها ، أي هي أكثر من أن تحصى ، وأجلّ من أن تستقصى .
وعُدّي ب « عن » لتضمين معنى التعدّي والتجاوز ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
. « 4 »
ونأى أي بَعُدَ عن الجزاء أمَدُها أي غايتها ومنتهاها ؛ إذ لا أمد لها على الحقيقة ولا منتهى ، وقد يطلق الأمد على الابتداء ، فهو أبلغ ؛ إذ « 5 » المعنى : أي بَعُدَ عن الجزاء ابتداؤها فكيف انتهاؤها .
وتَفاوَتَ أي بَعُدَ عن الإدراكِ حقائق تلك النِعَم وأفرادها فضلًا عن شكرها أبدُها أي دوامها وأبديّتها ؛ لعدم انتهائها .
ونَدَبَهم أي حثَّهم ورغّبهم لاستزادتها أي لطلب زيادتها بالشكر ، يقال : نَدَبَه للأمر وإليه فانتدب ، أي دعاه فأجاب ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »
« 6 » واللام في قولها عليها السلام : لاتصالها لتعليل الندب ، أي رغّبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر ؛ لتكون نعمة متّصلة لهم غير منقطعة عنهم ، ويمكن أن تجعل اللام الأولى للتعليل ، والثانية للصلة . وفي بعض النسخ : « لإفضالها » ، فيحتمل تعلّقه بالشكر .
هامش
( 1 ) . س : تنحصر .
( 2 ) . النهاية ، ج 1 ، ص 63 .
( 3 ) . في المصدر المطبوع : أولاها .
( 4 ) . سورة إبراهيم ، الآية 34 ؛ سورة النحل ، الآية 18 .
( 5 ) . م : « إلى » بدل « إذ » .
( 6 ) . سورة إبراهيم ، الآية 7 .