وحملها على غير ظاهرها ؛ وذلك لقيام الدليل العقلي والنقلي على عصمتهم . « 1 »
ولهذا لمّا دلّ الدليل القاطع وأضاء البرهان اللامع على أنّ اللَّه تعالى ليس بجسمٍ ، وجب تأويل كلّ آيةٍ أو رواية ظاهرها التجسّم على ذاته سبحانه وتعالى ، وحملها على خلاف ظاهرها ؛ مثل قوله تعالى :
« يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »
« 2 »
« وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ »
« 3 »
« وَجاءَ رَبُّكَ »
« 4 » و
« عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
« 5 » وأمثال ذلك .
ويعتقد بأنّ العصمة لا تخرجهم عن الاختيار ، وأنّ كلّ نبيٍّ أو وصيٍّ أفضل وأعلم كافّة مخلوقات زمانه ، وأنّهم متّصفين بجميع الصفات الحميدة ، منزّهين عن كافّة الصفات الرذيلة ، سواء كانت في خلقهم أو في خُلقهم ، مطهّرون لم يخرجوا إلّامن صلبٍ طاهرٍ من لدن آدم إلى حين ولادتهم . « 6 »
وفي بعض الأخبار : أنّ رجلًا سأل الصادق عليه السلام عن شيءٍ فلم يجبه .
قال له : إن كنتَ من ظهر أبيك فإنّك ابن عبدة الأصنام .
فقال له عليه السلام : كذبتَ ، أما سمعت قول اللَّه عز وجل :
« وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »
« 7 » . « 8 »
هامش
( 1 ) . قال الشيخ الصدوق في الاعتقادات ( ص 96 رقم 36 ) : اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمّة والملائكة - صلوات اللَّه عليهم - أنّهم معصومون مطهّرون من كلّ دنس ، وأنّهم لا يذنبون ذنباً ، لا صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون اللَّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم .
واعتقادنا فيهم أنّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها ، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل .
( 2 ) . سورة الفتح ، الآية 10 .
( 3 ) . سورة الزمر ، الآية 67 .
( 4 ) . سورة الفجر ، الآية 22 .
( 5 ) . سورة طه ، الآية 5 .
( 6 ) . قال الشيخ المظفّر في عقائد الإماميّة ( ص 36 ، رقم 17 ) : ونعتقد أنّ النبيّ كما يجب أن يكون معصوماً يجب أن يكون متّصفاً بأكمل الصفات الخلقيّة والعقليّة وأفضلها ، من نحو : الشجاعة والسياسة والتدبير والصبر والفطنة والذكاء ، حتى لا يدانيه بشر سواه فيها ؛ لأنّه لولا ذلك لما صحّ أن تكون له الرئاسة العامّة على جميع الخلق ، ولا قوّة إدارة العالم كلّه . كما يجب أن يكون طاهر المولد أميناً صادقاً منزّهاً عن الرذائل قبل بعثته أيضاً ؛ لكي تطمئنّ إليه القلوب ، وتركن إليه النفوس ، بل لكي يستحقّ هذا المقام الإلهي العظيم .
( 7 ) . سورة إبراهيم ، الآية 35 .
( 8 ) . تفسير العيّاشي ( ج 2 ، ص 230 ، ح 31 ) عن الزهري قال : أتى رجل أبا عبد اللَّه عليه السلام فسأله عن شيء فلم يجبه ، فقال له الرجل : فإن كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء عبدة الأصنام ، فقال له : كذبت ، إنّ اللَّه أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة ، ففعل ، فقال إبراهيم : « رَبِّ اجْعَل هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْني وَبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ » فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنماً قطّ ، ولكنّ العرب عبدة الأصنام . وقالت بنو إسماعيل : « هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه » ، فكفرت ولم تعبد الأصنام . عنه بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 252 ، ح 10 ؛ تفسير البرهان ، ج 4 ، ص 335 ، ح 4 ؛ تفسير الصافي ، ج 3 ، ص 89 ؛ تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 297 ، ح 32 ، وص 546 ، ح 96 .