أوامر اللَّه تعالى الإيجاد كيفما اتّفق - كما في أوامر المخلوقات - لقال : « إلّا ليعملون » ، وإنّما المطلوب منها الإتيان بها على وجه الانقياد والتعبّد ، ولذا اعتبر لقبول العمل القربة والإخلاص « 1 » ، وأن يأتي به على الوجه الّذي امِر به ، حتّى أنّ أجزاء الصلاة الواجبة يأتي بها على سبيل الوجوب ، والمستحبّة على سبيل الاستحباب ، فلو عكس يكون أتى بالفعل على غير الوجه الّذي امِر بِه .
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : قد يَبلغ الرجل الستّين والسبعين ولا يقبل منه صلاة ؛ وذلك لعدم إتيانه بالصلاة على الوجه الّذي امِرَ به . « 2 »
وفي بعض الأخبار : أنّ الصراط جسرٌ على جهنّم يَعبر عليه كافّة الخلائق « 3 » . وعليه عقبات ، فلكلّ فرضٍ من الفروض عقبة إن كان أمراً أو نهياً ، وعلى كلّ عقبةٍ ملائكة ، فعنْدَما يصل العبد إلى العقبة يُسأل عن فرضها ، فإن كان مؤدّيه كما أمَر اللَّه به يجوز إلى غيرها ، وإن لم يكن مؤدّيه ولم يدركه عفو اللَّه يُرمى إلى جهنّم . « 4 »
وإنّي أرى حالي إذا صلّيتُ بين الناس تهدأ حواسّي ، وتسكن جوارحي ، وأطيل صلاتي ولو كان عندي شغلًا ، وأفعل مستحبّاتها ، وأتأنّى على واجباتها ، وأترك مكروهاتها ، وأفعلها بتأنّي واستقرار . « 5 »
هامش
( 1 ) . روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال : الإخلاص بجميع فواضل الأعمال ، وهو معنى افتتاحه القبول وتوقيعه الرضا . انظر : مصباح الشريعة ، ص 36 ؛ التنبيهات العليّة ، ص 114 ؛ المحجّة البيضاء ، ج 1 ، ص 384 .
( 2 ) . روى الكليني في الكافي ( ج 3 ، ص 269 ، ح 9 ) بإسناده عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن العيص بن القاسم قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السلام : واللَّهِ إنّه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قَبِل اللَّه منه صلاة واحدة ، فأيّ شيء أشدّ من هذا ؟ ! واللَّه إنّكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلّي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها ؛ إنّ اللَّه عز وجل لا يقبل إلّاالحسن ، فكيف يقبل ما يستخفّ به ؟ !
وانظر : تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 240 ، ح 949 ؛ التنبيهات العليّة ، ص 80 - 81 ؛ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 24 ، ح 2 .
( 3 ) . قال الشيخ الصدوق في الاعتقادات ( ص 70 ، رقم 26 ) : اعقتادنا في الصراط أنّه حقّ ، وأنّه جسر جهنّم ، وأنّ عليه ممرّ جميع الخلق . عنه بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 70 ، ح 19 .
( 4 ) . روى الطبرسي في مجمع البيان ( ج 10 ، ص 352 ) في تفسير الآية « إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ » ( سورة الفجر ، الآية 14 ) عن ابن عبّاس أنّه قال : إنّ على جسر جهنّم سبع محابس ، يُسأل العبد عندها :
أوّلها : عن شهادة أن لا إله إلّااللَّه ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني فيُسال عن الصلاة ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث فيُسأل عن الزكاة ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع فيُسأل عن الصوم ، فإن جاء به تامّاً جاز إلى الخامس فيُسأل عن الحجّ ، فإن جاء به تامّاً جاز إلى السادس فيُسأل عن العمرة ، فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع فيُسأل عن المظالم ، فإن خرج منها ، وإلّايقال : انظروا ، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله ، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنّة . عنه بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 64 .
( 5 ) . قال الشهيد الثاني في التنبيهات العليّة ( ص 152 ) في منافيات الإخلاص : أحدها : أن يعقد الصلاة مثلًا على الإخلاص المحض والطاعة والإقبال على اللَّه تعالى بها ، وهو خالٍ من نظر الناس إليه ، فيدخل عليه داخل ، أو ينظر إليه ناظر ، فيقول له الشيطان : « ود صلاتك حُسناً حتى ينظر إليك هذا الحاظر بعين الوقار والصلاح ، ولا يزدريك ولا يغتابك » ، فتخشع جوارحه ، وتسكن أطرافه ، وتحسن صلاته ، وهذا هو الرياء الطارئ الظاهر الّذي لا يخفى على المبتدئين من المريدين ، ولكنّه في الجملة من شوائب القرب ، ومنافي الإخلاص .