لا تعجل ، واغتنمها فرصة ؛ أما سمعت الآيات والأخبار المتضمّنة قبول التوبة في أيّ وقتٍ شاء حتى تبلغ الروح التراقي « 1 » ، أو يعاين الموت ؟ والآن في أجلك تأخير فلا داعي إلى التعجيل ، وتكون فزتَ بلذّة الدنيا والآخرة .
وهكذا يحسّن له أقوال ويوقعها في قلبه حتّى يتمادى في غيّه ، ويميته إمّا على غير توبةٍ ، أو يكون مصداقاً للآية الشريفة :
« كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »
« 2 »
فقد ورد : ما من عبدٍ إلّاعلى قلبه نقطة بيضاء ، فإن فعل ذنباً صار في النقطة البيضاء نقطة سوداء ، فإن تاب انمحت السوداء ، وإن تمادى في المعاصي زاد السواد حتّى يغطّي البياض ، فإذا غطّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خيرٍ أبداً . « 3 »
قال بعض الأفاضل : إنّ القفل أشدّ من الطبع ، والطبع أشدّ من الرَّين ، وقد أشارت الآيات الشريفة إلى الأمور الثلاثة في قوله جلّ شأنه :
« طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
« 4 »
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها »
« 5 » وعليه يكون الرَّين كالصدأ أوّل مرتبة ،
هامش
( 1 ) . إشارة إلى قوله تعالى في سورة القيامة الآية 26 :« كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ».
التراقي : جمع الترقوة ، وهو مقدّم الحلق من أعلى الصدر ، تترقّى إليه النفس عند الموت ، وإليه يتراقى البخار من الجوف ، وهناك تقع الحشرجة - تردّد النفس ، والغرغرة عند الموت - .
( 2 ) . سورة المطفّفين ، الآية 14 .
( 3 ) . روى الكليني في الكافي ( ج 2 ، ص 273 ، ح 20 ) بإسناده عن أبي علي الأشعري ، عن عيسى بن أيّوب ، عن علي بن مهزيار ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما من عبدٍ إلّاوفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض ، فإذا تغطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً ؛ وهو قول اللَّه عز وجل : « كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كَانُوا يَكْسِبُونَ » [ سورة المطفّفين ، الآية 14 ] .
وانظر الاختصاص ، ص 243 ؛ التنبيهات العليّة ، ص 72 ؛ وسائل الشيعة ، ج 15 ، ص 303 ، ح 16 ؛ بحار الأنوار ، ج 73 ، ص 332 ، ح 17 ، وص 361 ، ح 88 ؛ مرآة العقول ، ج 9 ، ص 418 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 11 ، ص 329 ، ح 14 .
وورد في نهج البلاغة : 518 في غريب كلام أمير المؤمنين عليه السلام رقم 5 : إنّ الإيمان يبدو لُمظةً في القلب ، كلّما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة .
واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض ، ومنه قيل : فرس ألمظ ، إذا كان بجحفلته شيء من البياض .
أقول : الجحفلة للخيل والبغال والحمير بمنزلة الشغة للإنسان .
وانظر : شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : 5 / 373 ح 5 ، بحار الأنوار : 69 / 196 ح 12 ، وج 73 / 332 ذ ح 17 وفيه بيان نافع .
( 4 ) . سورة النحل ، الآية 108 ، سورة محمّد صلى الله عليه وآله ، الآية 16 .
( 5 ) . سورة محمّد صلى الله عليه وآله ، الآية 24 .