وقلبي عن الاشتغال بالآخرة .
وقال الآخر : سبحانك سبحانك ! قد عرفت - تباركت وتعاليت - أنّك تحبّ أولياءك ، فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كلّ شيء دونك .
فأوحى اللَّه إلى داوود : قل لهم : قد سمعت كلامكم ، وأجبتكم إلى ما أحببتم ، فليفارق كلّ واحدٍ منكم صاحبه ، وليتّخذ لنفسه سرباً ؛ فإنّي كاشف الحجاب بيني وبينكم حتّى تنظروا إلى جلالي ونوري .
قال داوود : يا ربّ ، بما نالوا هذا منك ؟
قال : بحسن الظنّ ، والكفّ عن الدنيا وأهلها ، والخلوات في مناجاتهم [ لي ] ، وإنّ هذا منزل لا يناله إلّامَن رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها ، ففزع قلبه لي واختارني على جميع خلقي ، فعند ذلك أعطف عليه ، وافرغ نفسه ، وأكشف الحجاب في ما بيني وبينه حتّى ينظر إليّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء ، واريه كرامتي في كلّ ساعة اقرّبه من نور وجهي . إن مرض مرّضته كما تمرِّض الوالدة الشفيقة ولدها ، وإن عطش أرويته ، واذيقه طعم ذكري ، فإذا فعلتُ ذلك - يا داوود - عميتْ نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أجبها إليه ، لا يفتر من الاشتغال بي ، يستعجلني بالقدوم ، وأنا أكره أن اميته ؛ لأنّه موضع نظري من بين خلقي . لا يرى غيري ولا أرى غيره ، / 98 / فلو رأيتُه - يا داوود - قد ذابت نفسه ، ونحلت [ جسمه ] ، وتهشّمت أعضاؤه ، وانخلع قلبه . إذا سمع بذكري أباهي به ملائكتي وأهل سماواتي يزداد خوفاً وعبادة ، وعزّتي وجلالي - يا داوود - لُاقعدنّه في الفردوس ، ولأشفينّ صدره من النظر إليّ حتّى يرضى وفوق الرضا « 1 » .
قال الصادق « 2 » عليه السلام في صفة المشتاقين : المشتاق لا يشتهي طعاماً ، ولا يلتذّ شراباً ، ولا يستطيب رقاداً ، ولا يأنس حميماً ، ولا يأوي داراً ، ولا يسكن عمراناً ، ولا يلبس ليّناً ، ولا يقرّ قراراً ، ويعبد اللَّه ليلًا ونهاراً [ . . . ] حتّى يصل إلى ما يشتاق إليه ، ويناجيه بلسان شوقه معبّراً عمّا في سريرته ، كما أخبر اللَّه عن موسى في ميعاد ربّه بقوله :
« وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » /
« 3 » وفسّر النبي صلى الله عليه وآله عن حاله
هامش
( 1 ) . المحجّة البيضاء ، ج 8 ، ص 59 - 61 .
( 2 ) . ب : - قال الصادق .
( 3 ) . سورة طه ، الآية 84 .