الحقيقيّة التي فوق البسيط والمطلق تعالى شأنه ، لا تصير معدومة ولا يفسد منها شيءٌ ، بل صارت ذاتها البسيطة وجميع كمالاتها من العلم والقدرة والشرف والبهاء وأمثالها أشرف وأكمل ممّا كانت .
يقين العملية له هو أن يقطع التعلق عن ذاتها البسيطة الذي هو عين غفلتها التامّة عن الشعور بذاتها البسيطة فصارت كالعقول القادسة والملائكة المهيّمة محواً ووالهاً إلى اللَّه تعالى وتقدس . والموقن بهذا اليقين تسمّى فانياً في فناء اللَّه ، وهذه آخر مراتب اليقين وغاية ترقّياته ، رزقني اللَّه تعالى ولإخواني الموقنين بحقّ جاه محمّد وآله المعصومين .
فلمّا شرحنا معاني اليقين ومراتبه فلنشرع بالآيات والأحاديث الواردة فيه :
قال اللَّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
« 1 » .
وقال :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 2 » .
أقول : هذا إشارة إلى يقين العلمي فقط .
وقال النبي صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه : كيف أصبحت يا فلان ؟
قال : أصبحت - يا رسول اللَّه - موقناً !
فعجب رسول اللَّه من قوله وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقةً ، فما حقيقة يقينك ؟
فقال : إنّ يقيني - يا رسول اللَّه - هو الذيأحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري ، فعزفتْ نفسي عن الدنيا وما فيها « 3 » .
أقول : قوله عليه السلام « لكلّ يقين حقيقة » أي لكلّ يقين علمي حقيقة في الخارج ، وقوله :
« هو الذي أحزنني » إلى آخره إشارة إلى اليقين العيني الخارجي .
هامش
( 1 ) . سورة السجدة ، الآية 24 .
( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 5 .
( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 159 ، عن الكافي ، ج 2 ، ص 53 باب حقيقة الإيمان واليقين ، ح 2 .