إنّك لوعُدته لوجدتني عنده « 1 » . فيه إشارة إلى عين الجمع من هاهنا يدّعون سكارى المحبّة والمعرفة والتوحيد الأنانيّة والاتّحاد في مقام عين الجمع ، إذ الحقّ تعالى باشر أسرارهم بقدس القِدَم ، وتجلّى بنفسه من أسرارهم لأرواحهم ، ومن أرواحهم لقلوبهم ، ومن قلوبهم لعقولهم ، ومن عقولهم لهمومهم ، ومن همومهم لأشباحهم ، ومن أشباحهم لنفوسهم ، حتى يصيروا بجميع أوصافهم مستغرقين في الحقّ للحقّ بالحقّ تعالى كبرياؤه عن ممازجة الحدثان .
[ حديث ] 157 -
وقال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالحزن فإنّه مفتاح القلب « 2 » . قالوا : يا رسول اللَّه ، وكيف الحزن ؟ قال : أجيعوها وأظمئوها .
أشار عليه الصلاة والسلام إلى أنّ الجوع والعطش يجلبان الحزن وذلك أنّه إذا ذاب اللحم والشحم في بدن الانسان بالجوع والعطش يرقّ القلب ويصفى ، ويذهب عن عين السرّ والعقل والروح قَذَى الشهوات والهوى وغبار الطبيعة ، فتبصر أبصارهم عيوب النفس وما فسدت من عمارات القلب ، وتبصر أيضاً عجائب ملك الغيب من الثواب والعقاب ، فتحزن بذلك حزناً طويلا لا ينقطع دوامُه ، وتغلب عليه أفكار متراكمة من جهة ما فات عنه وما لم يُدرك من فيض اللَّه وكرمه . لذلك كان - عليه الصلاة والسلام - دائم الفكر متواصل الأحزان إذ رأى تقصير عبوديّته في ربوبيّة الخالق ، وكان مستغرقاً في بحار عظمة اللَّه يزيد حزنه على حزنه من قلّة إدراكه حقيقة المعرفة بكنه القِدَم . وأكثر حزن القلب من جهة جريان قهر الحقّ في النفس ، وهو شركها وسوءُ ظنّها باللَّه وميلها إلى ما دون اللَّه .
وذلك ما قال - عليه الصلاة والسلام - : الشرك أخفى من دبيب النمل والذّر على
هامش
( 1 ) . الأمالي ، ج 2 ، ص 243 ؛ وسايل الشيعة ، ج 2 ، ص 636 ؛ بحارالانوار ، ج 81 ، ص 220
( 2 ) . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج 10 ، ص 310 ؛ كنزالعمّال ، ج 3 ، ص 143 وج 6 ، ص 490