الموت ؛ لأنّ في معرفة اللَّه رؤية صفاته وذاته وعجائب جلاله وجماله وقربه ووصاله ، واستماع خطابه وكلامه ، والعلم بنوادر ملكه وحكمته ، وكشوف أسراره وبروز لمعات أنباء عجيب صنيعه ولطائف صُنعه ، ومن وقع في معرفة القديم الأزليّ صار عارفاً بمكنونات علمه ومطّلعاً بغرائب أنبائه . ومن عرف الموت عرف فناءَه ، ومن عَرفَ فناءه عرف بقاء الحقّ ، ومن عرف بقاء الحقّ علم أفعاله وصفاته المباشرة بنعت نفاذ القدرة في كلّ ذرّة من العرش إلى الثرى . وأفهمنا - عليه الصلاة والسلام - أن من لم يبلغ هذه الدرجات التي وصفناها لم يُطِق أن يسمع كلمةً من علم الغيب وغريب الأسرار .
[ حديث ] 154 -
وقال صلى الله عليه وسلم : إنّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسدبها سائر الجسد « 1 » . ألا وهي القلب .
المضغة الجوفانيّة هي هدف سهام القهر واللطف ، وهي متقلّبة في قبض خالقها . فإذا وقعت في بحار النكرات مالت من تأثير القهريّات إلى عالم الشهوات ، وأفاضت إلى الحسّ والجوارح مباشرة الآثام . وإذا وقعت في بحار المعارف مالت بنعت المحبّة والشوق إلى مشاهدة اللَّه تعالى ، فاستنارت بنورها فنوّرت العقلَ والنفسَ والروحَ والصورةَ ، فيتولّد من حسن جوارحها خشوع الصورة في طاعة اللَّه ، وصلاح الجوارح في خدمته ومراقبته .
[ حديث ] 155 -
وقال صلى الله عليه وسلم ليس [ منّا ] من لم يَتَغَنَّ بالقرآن « 2 » .
القرآن صفة القديم تجلّى القديم قبل نزوله لأرواح العشاق فتلقفت الأرواح من الحقّ خطابه بنعت التغنّي ، فطربَت من سماع الحق وفرحت بطيب كلامه ،
هامش
( 1 ) . منية المريد ، ص 224 ؛ بحارالانوار ، ج 61 ، ص 23 ؛ صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 19 ؛ صحيح مسلم ، ج 5 ، ص 51 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1319 ؛ مع اختلاف يسير .
( 2 ) . معاني الأخبار ، ص 279 ؛ الأمالي ، ج 1 ، ص 31 ؛ سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 350