جعله صابراً ؛ لأنّ الكرب والعسر من فعله وامتحانه ، فإذا صبر العبد في أوائل آلامهما فيكون صبره مفتاح كنز الراحة . والإشارة فيه أنّ اللَّه تعالى إذا أراد أن يفتح لعبده باباً من فضله النادر ابتلاه بشيء من بلائه ، ثم يخصّه بنعمة من نعمائه ، وما رأيت منه شيئاً من الامتحان إلا ورأيتُ بعده ومعه نوادر لطائف برّه . وإذا أردتَ أن تجرّب ما قلنا فراقب أحكام الغيب وطُرق الأسرار ومنازلات الأحوال .
[ حديث ] 141 -
وقال صلى الله عليه وسلم : ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح اللَّه عليه باب فقرٍ « 1 » .
سؤال المرء إذا كان من حرصه يكون له قنطرة تهمة الدنيا ، فإذا سأل من غير اللَّه حرصاً وجمعاً أسقطه الحقّ إلى بحر فقر النفس الأمّارة غيرةً عليه وعقوبة له ، حتى لا ينجو من فقر نفسه ولا يجد رَوحَ غِنى اللَّه تعالى ، لأنّ من توكّل على غيره فيكون محبوساً بنفسه ، ولاينسدّ بابُ فقره ، ويكون فقره في نفسه أوسع .
[ حديث ] 142 -
وقال صلى الله عليه وسلم : اللهم أحيني وأمتنيمسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين « 2 » .
امتحن اللَّه تعالى نبيّه - عليه الصلاة والسلام - بالدنيا فاختار الآخرة ، وامتحنه بالولاية فاختار الخشوع والبذاذة ، وامتحنه بالنبوّة فاختار التواضع ، وامتحنه بالربوبيّة فاختار العبودية والمسكنة ، فخلع ثوب الربوبيّة عن نفسه بعد إذ أغرقه الحقّ في بحارالأنانيّة وأسرار الاتّحاد ؛ لأنّه قد علم أنّ جميع ذلك مكرٌ فاستعاذ منه إليه .
[ حديث ] 143 -
وقال : أعوذ بك منك « 3 » .
لمعرفته بغيرته ، وبأنّ الحدث لا يكون قديماً ، فأفرد القِدَم عن الحدث ، ورجع
هامش
( 1 ) . جامع الأخبار ، ص 137 ؛ مسند أحمد ، ج 1 ، ص 193 ؛ سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 385 ؛ مع اختلاف يسير .
( 2 ) . روضة الواعظين ، ص 454 ؛ منهاج البراعة ، ج 3 ، ص 393 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1381 و 1382 ؛ سنن الترمذي ، ج 4 ، ص 8 ؛ السنن الكبرى ، ج 7 ، ص 12
( 3 ) . تنبيه الغافلين ، ص 334 ؛ مجمع البحرين ، ج 1 ، ص 186 ؛ مفاتيح الغيب ، ص 158 ؛ بحار الأنوار : ج 63 ، ص 337