وفي حديثه - صلّى اللَّه عليه وسلم - هذا بيان حثّهِ خواصّ امّته على الاستنباط .
واستنبطَ من قوله - عليه الصلاة والسلام - في هذا الحديث حسنُ البصريّ - رحمة اللَّه عليه - قال : الظهر هو الظاهر ، والبطن هو السّر ، والحدّ هو الجوف الذي فيه علم الخير والشرّ ، والمطلع الأمر والنهي .
ففي هذه الأحاديث واستنباط الصحابة والتابعين فيها ، دليلٌ على ما فسّرنا من حقائق ما انتخبنا من نفائس الأخبار والآثار التي أودع اللَّه أسرارها القلوب الخالصة ، وأخفى أنوارها في الصدور الصافية ، التي خصّها بمكنونات علمه وبدائع حكمته ، حتى أطلعها على بعض سرائر خصائص غيبه الذي لم يُطلِع عليه أحداً إلا من ارتضى من رسول .
والحمد للَّهعلى ما هدانا إلى هذا العلم الذي اختاره لنجباء أوليائه ونقباء أصفيائه ، وعليه كفايتنا فيه وعصمتنا به « 1 » ، فإنّه منقذ أوليائه من امتحانه ، ومعين كلّ طالب بمراده .
ثم ما أوردتُ في هذا الكتاب كلّه سرّ النبوة والولاية ، وإنّه علم ذو شجون وفنون ، حكمتها قوّة لمعرفتها ، ومعرفتها قوة لسرّها وحقيقتها ، والظاهر منها يشبه باطنها ، وباطنها يشبه حقيقتها ، وحقيقتها تشبه عينها ، ولكلّ حرف منها علم ، ولكلّ علم أصل ، وبعضها شاهد بعض . خصّ بها كلّ عالم من الربّانيين بسرِّ علمٍ منها ، وكلُّ واحد منهم حظّه منها بقدر معرفته باللَّه وسيره في ملكوته وجبروته .
وإخبار من كُشِف له هذا العلم لغير أهله تعدٍّ وظلم لأنَّ للأنبياء والأولياء أسرار لا يجوز كشفها إلّا لأهلها ، وهي أمانات اللَّه في قلوبهم ، أطلعهم على مكنون سرائر غيبه ، وكشف لهم عن حقيقة ما أوحى إلى نبيّه - صلّى اللَّه عليه وسلم - فنطقوا به
هامش
( 1 ) . في الأصل « له » ولكن ما أثبتناه أولى بالسياق .