القرآن وحججه ، وأردفتُها تفسير المشايخ بعض أحاديثه - عليه الصلاة والسلام - وذكرتُ بعدها ما فسّر أبو سليمان الخطّابيّ رحمه الله « 1 » من الحديث الذي وافق مقالة مشايخ العارفين في بيان هذه الإشارات ؛ ليكون لنا فيما رسمتُ من حقائق تفسير الحديث حجّة ، وعلى من أنكر لطائف إشارات الصوفية في الألفاظ النبويّة صكّةً « 2 » ولأعناقهم دكّةً « 3 » .
فإنْ قال قائل منهم : هل يكون للاستنباط في هذه الأحاديث التي أوردتَها دليلٌ من العلم ؟
فأقول : نعم ، قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم عنده مجتمعون ، وفيهم عبداللَّه بن عمر رضياللَّه عنهما وهو أحدثهم سنّاً ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : أيّ شجرة تشبه ابن آدم من الأشجار ؟ قال : فوقع الناس في أشجار الأودية ، ووقع في قلبي أنّها النخلة ، واستحييت أنْ أجيب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسكتُّ . حتى قال عليه السلام : إنّها النخلة . فقلت : نعم ، لقد كدت أن أقول إنّها النخلة ، فهبتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم « لئن قلت ذلك كان أحبّ إلىّ من حمر النعم » . « 4 » فيه بيان خالص للاستنباط . إذ اختار النبىّ صلى الله عليه وسلم من جميع الأشجار شجرة النخل وشبّهها بابن آدم ، ثمّ عرض إشارته فيها على أصحابه ليجرّب استنباطهم وإدراك مراده . والحجة في ذلك أنّ أحداً لم يستنبط من أصحابه معنى ما سألهم عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا عبداللَّه بن عمر هُو أصغرهم سنّاً .
كذلك الاستنباط في هذه الأحاديث على مقدار ما يفتح اللَّه على قلوب أوليائه من غيبه . وحكمة تشبيه النبيّ صلى الله عليه وسلم النخلة بابن آدم أنّ جميع أجزائها سبب منافع
هامش
( 1 ) . أبو سليمان أحمد بن الخطّابيّ المتوفى سنة 338 ق .
( 2 ) . صَكَّهُ ، صَكّاً : إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطةً « المصباح المنير » .
( 3 ) . الدكّ : الدقّ ، وقد دكّه : إذا ضربه وكسره حتى سوّاه بالأرض .
( 4 ) . مسند أحمد ، ج 1 ، ص 54 ، فيه : « . . . واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم . . . » .