النبيّ صلى الله عليه وسلم دواوين كثيرة : للمتقدمين مثل الموطأ « 1 » والمعالم « 2 » والأعلام « 3 » [ في ] شرح الصحاح والحسان ؛ وللمتأخّرين مثل شرح السنن . وما وجدتُ [ مِن ] مشايخنا مَن صنّف كتاباً مفرداً في حقائق تفسير غرائب الحديث إلّا قليل شرح بعض متفرّقاته في كتب شتّى ، فأحببتُ أنْ اصنّف كتاباً في تفسير غريب حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما وافق حقائق العارفين ، وأشرحه بلسان مشايخ الصوفية ؛ ليكون في طريقتهم أعلام مذهبهم ، وأمارات حقيقة حكمتهم ومعرفتهم ، ودليلًا لنكت مقالتهم .
فاستخرتُ اللَّه تعالى ذكره في ذلك ، وانتخبت من كتب الحديث إشارات سيّد المرسلين - صلوات اللَّه وسلامه عليه - في حقائق علوم المعرفة والحكمة والمحبّة والمشاهدة والمكاشفة والتوحيد والتجريد والتفريد ، وما يتعلق بمقاماته بين يدي اللَّه تعالى من عظيم كراماته ومعجزاته وأنوار قربه وما وجد من أسرار ملكه وملكوته وما فيه من بيان حكم الأنبياء وشرف الأصفياء ، وشرحتهُ بقدر قصور خاطري وعلمي حسب ما سنح له الوقت وجادَ به الحقّ - جلّ وعزّ - .
وما جمعتُ فهو من أسرار ما أوحى اللَّه تعالى إلى نبيّه ورسوله وخليله وحبيبه وأمينه وكليمه وسفيره وخليفته ، وخاتم أنبيائه وإمام أوليائه ، وصفيّ مملكته وخيرته من بريّته ، مفتاح كنوز حقائق العلوم الأزليّة ودقائق الحكمة السرمديّة .
فكلّ كلمة صدرت من معدن رسالته بحرٌ من بحار الحكمة ، وكلّ لفظه سارت من كفاية إشارته نهرٌ من أنهار المعرفة ، تستغرق فيها فهوم الفُهَماء وعقول العقلاء .
فغرفت منها غرفة من مكنونات غوامض أسراره النبويّة ، وقبضت قبضة من لطائف رموزه الربّانيّة ، وبيّنتها بلسان المعرفة اقتداءً باسوته وقدوته وبراهين
هامش
( 1 ) . الموطأ في الحديث ، لمالك بن أنس الحميريّ المتوفى 179 ه ق . انظر : كشف الظنون ، ج 2 ، ص 1907
( 2 و 3 ) . معالم السنن في شرح سنن أبي داود ، وأعلام السنن في شرح صحيح البخاريّ ، كلاهما لأبي سليمانأحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب البستيّ الخطّابيّ المتوفى سنة 338 ق .