البصرة إلى أن قتل علي عليه السّلام . قالوا : وكيف يكون ذلك ولم يخدعه معاوية ويجرّه إلى جهته ، فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمّال أمير المؤمنين عليه السّلام ، واستمالهم إليه بالأموال ، فمالوا وتركوا أمير المؤمنين عليه السّلام ، فما باله وقد علم النّبوة التي حدثت بينهما ، لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه ؟ وكلّ من قرأ السير وعرف التواريخ يعرف مشاقّة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي عليه السّلام ، وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام ، وما كان يثني به على أمير المؤمنين عليه السّلام ، ويذكر خصائصه وفضائله ، ويصدع به من مناقبه ومآثره ، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك ، بل كانت الحال تكون بالضدّ ؛ لما اشتهر من أمرهما ، وهذا عندي هو الأمثل والأصوب » « 1 » .
2 - أنّ الروايات التي نقلها الكشّي في ذمّ ابن عباس فيها موارد للتأمّل ، منها :
( أ ) أنّ سند هذه الروايات ضعيف ، وليس تامّا « 2 » .
( ب ) أنّ قصة عمى ابن عباس ، والتي تدلّ على أنّه فقد بصره أثر بكائه الطويل على الإمام علي عليه السّلام والحسنين عليهما السّلام ، لا تتناسب مع ما نقله ابن مسعود . وقد أشار إلى بكائه أبو نعيم حيث روى عن أبي رجاء أنّه قال : « كان هذا الموضع من ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه - مجرى الدموع - كأنّه الشرك البالي » « 3 » . بل إنّ أعداء ابن عباس - ومنهم معاوية - لم يعتبروا عماه بسبب عارض حصل له ، وإنّما اعتبروه من خصائص أسرته ، حيث عمي أبوه العباس وجدّه عبد المطلب . فقد نقل ابن قتيبة : أنّ معاوية قال لابن عباس : أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم . . . « 4 » .
كما روي سبب آخر عن عماه ، فقد روي عن ابن عباس أنّه رأى رجلا مع النبي صلّى اللّه عليه واله فلم يعرفه ، فسأل النبي صلّى اللّه عليه واله عنه ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « أرأيته ؟ » قال : نعم ،
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة 16 : 171 .
( 2 ) . الدرجات الرفيعة : 102 ، جامع الرواة 1 : 494 ، معجم رجال الحديث 11 : 254 .
( 3 ) . مروج الذهب 3 : 101 ، حلية الأولياء 1 : 329 و 2 : 307 .
( 4 ) . المعارف : 589 .