الأمر ذهب ومن معه إلى محمد بن جعفر ، وكان شيخا وادعا محبّبا في الناس ، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد ، وكان الناس يكتبون عنه ، وكان يظهر سمتا وزهدا ، فقالوا له : قد تعلم حالك في الناس ، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة ، فإنّك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان ، فأبى ذلك عليهم ، فلم يزل به ابنه علي بن محمد وحسين بن حسن الأفطس حتّى غالبا الشيخ على رأيه ، فأجابهم !
فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لستّ خلون من ربيع الآخر ، فبايعوه بالخلافة ، وحشروا إليه الناس من أهل مكّة والمجاورين ، فبايعوه طوعا وكرها ، وسمّوه بإمرة المؤمنين « 1 » ، فأقام بذلك أشهرا ، وليس له من الأمر إلّا اسمه ، وبعد ذلك روي بعض الأعمال السيّئة عن ابنه علي وحسين بن حسن ، فلمّا رأى ذلك أهل مكّة ومن بها من المجاورين خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام وغلّقت الدكاكين ، ومال معهم أهل الطواف بالكعبة ، حتّى أتوا محمد بن جعفر بن محمد وهو نازل دار داود ، فقالوا : واللّه لنخلعنّك ولنقتلنّك . . . فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى
هامش
( 1 ) . وقال المسعودي : « ليس في آل محمد ممّن ظهر لإقامة الحقّ ممّن سلف وخلف قبله وبعده من تسمّى بأمير المؤمنين غيره » ( أنظر : مروج الذهب 3 : 439 ) . وقال ابن عنبة : كان محمد بن جعفر قد خرج داعيا إلى محمد بن إبراهيم بن طباطبا الحسني ، فلمّا مات محمد بن إبراهيم دعا محمد الديباج إلى نفسه ، وبويع له بمكة ( عمدة الطالب : 245 ) .
ويقول أبو الفرج : « كان رجل قد كتب كتابا في أيام أبي السرايا يسبّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وجميع أهل البيت ، وكان محمد بن جعفر معتزلا تلك الأمور لم يدخل في شيء منها ، فجاءه الطالبيّون فقرأوه عليه ، فلم يرد عليهم جوابا حتّى دخل بيته ، فخرج عليهم وقد لبس الدرع وتقلّد السيف ودعا إلى نفسه وتسمّى بالخلافة » ( مقاتل الطالبيّين : 538 ) .
وورد أيضا في كتاب تاريخ خليفة : أنّه وثب بالبصرة سنة 199 ه فصارت إليه بغير قتال . إلّا أنّ هذا خطأ ، إمّا من خليفة أو النسّاخ ، وذلك لأنّه ، كما ذكر المسعودي ( مروج الذهب 3 : 439 ) وغيره ، فإنّ علي ابن محمد هو الذي وثب بالبصرة وليس المترجم . والجدير بالذكر أنّ المسعودي ذكر نسب علي بن محمد - الذي هو من أحفاد الإمام الحسين عليه السّلام - هكذا : علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي . ويبدو أنّ هذا اشتباه ، وذلك لأنّه علاوة على كثرة التصحيف في ( حسن ) و ( حسين ) والاشتباه بينهما ، فإنّ الإمام الحسن عليه السّلام ليس له ولد باسم علي ! ( أنظر : تاريخ خليفة 385 ) .