ألوفا ، فقام أبو جعفر بنفسه ودخل داره ، فرموا داره بالحجارة حتّى صار على داره كالتلّ العظيم ، وركب صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامّة ، ووقف على بابه يوما إلى الليل ، وأمر برفع الحجارة عنه ! فخلا في داره وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم ، وذكر مذهبه واعتقاده ، وجرّح من ظنّ فيه غير ذلك ، وقرأ الكتاب عليهم ، وفضّل أحمد ، وذكر مذهبه ، وتصويب اعتقاده ، ولم يزل في ذكره إلى أن مات ، ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتّى مات فأخذوه ونسخوه « 1 » .
ومن الأعمال المهمّة في حياة الطبري كتابته وتحقيقه في أسانيد « حديث الغدير » و « حديث الطير المشوي » وقد أدّى هذا الأمر إلى عزلته وغربته ، وحرم طلّاب العلوم من الوصول إلى بحر علمه حتّى خفي عليهم موته فدفن في بيته ليلا « 2 » . قال الذهبي :
« جمع طرق حديث غدير خمّ في أربعة أجزاء ، رأيت شطره فبهرني سعة رواياته ، وجزمت بوقوع ذلك » « 3 » . وقال ابن كثير : « رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين ، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير » « 4 » .
ويروى أنّه قيل له قبل خروج روحه : يا أبا جعفر أنت الحجّة فيما بيننا وبين اللّه فيما ندين به ، فهل من شيء توصينا به من أمر ديننا ، وبيّنة لنا نرجو بها السلامة في معادنا ؟ فقال : الذي أدين اللّه به وأوصيكم هو ما ثبت في كتبي ، فاعملوا به وعليه « 5 » .
ولهذا حصل بين الكتّاب والمؤلّفين اختلاف بشأنه ، فالذهبي وابن حجر قالا : « فيه تشيّع يسير وموالاة لا تضرّ » « 6 » . في حين قال التستري : « إنّ الرجل في غاية العصبية » « 7 » .
هامش
( 1 ) . معجم الأدباء 18 : 57 - 59 ، وانظر : تاريخ بغداد 2 : 164 .
( 2 ) . معجم الأدباء 18 : 40 ، الكامل في التاريخ 8 : 134 ، المنتظم 13 : 217 ، الفوائد الرضوية : 446 .
( 3 ) . سير أعلام النبلاء 14 : 277 .
( 4 ) . البداية والنهاية 11 : 147 .
( 5 ) . سير أعلام النبلاء 14 : 276 .
( 6 ) . أنظر : ميزان الاعتدال 3 : 498 ، لسان الميزان 5 : 100 .
( 7 ) . قاموس الرجال 9 : 153 .