تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرواة المشتركون بين الشيعة والسنة — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
قلت لأبي جعفر الباقر عليه السّلام : إنّ ابن مسعود كان يمحو المعوّذتين من المصحف ، فقال عليه السّلام : « كان أبي يقول : إنّما فعل ذلك ابن مسعود برأيه ، وهما من القرآن » « 1 » . ( 2 ) لا شكّ أنّ من العوامل المؤثّرة في أفكار الإنسان ، وإبراز قابلياته أو إخفائها ، هي البيئة التي يعيش فيها ، حتّى إنّ الإنسان أحيانا يتغيّر تبعا لذلك بشكل لا يكاد يصدّق . ونكتفي للدلالة على ذلك بذكر الحادثة التالية : يقول مجالد بن سعيد : غدوت يوما إلى عامر الشعبي وأنا أريد أن أسأله عن شيء بلغني عن ابن مسعود أنّه كان يقوله ، فأتيته وهو في مسجد حيّه ، وفي المسجد قوم ينتظرونه ، فخرج فتعرّفت إليه ، وقلت : أصلحك اللّه ، كان ابن مسعود يقول : ما كنت محدّثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ، إلّا كان لبعضهم فتنة ؟ ! قال : نعم ، كان ابن مسعود يقول ذلك . فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد ، فجلس إلينا ، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر ، فضحك الشعبي وقال : لقد كان في صدر عمر ضبّ - أي : حقد - على أبي بكر ، فقال الأزدي : واللّه ، ما رأينا ولا سمعنا برجل قطّ كان أسلس قيادا لرجل ، ولا أقول فيه بالجميل من عمر في أبي بكر ، فأقبل عليّ الشعبي وقال : هذا ممّا سألت عنه ، ثم أقبل على الرجل وقال . . . فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم في الكلام بشيء لم أفهمه « 2 » . لقد أمضى ابن مسعود العقد الأخير من عمره في بيئة مضطربة بسبب تتابع وقوع الحوادث السياسية ، وبروز التيارات العقائدية المختلفة ، فكيف يتسنّى له ولغيره أن يعرف الحقّ والحقيقة ، وأن يتجنّب غيرهما ؟ ( 3 ) من الواضح أنّ ممّا يعكس شخصية الإنسان هو درجة معاشرته لبني جنسه ، والأثر الذي يمكن أن تفرزه العلاقة القائمة بينه وبينهم في مجال التعليم والتربية ،
هامش
( 1 ) . تفسير علي بن إبراهيم القمي 2 : 450 . ( 2 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 29 - 30 .