الكئيب وأصحابه من حوله كذلك ، فلمّا رآني مقبلا قال لي مرحبا بك يا دعبل ، مرحبا بمادحنا ومحبّنا ، ومرحبا بناصرنا بيده ولسانه ، ثم انّه وسّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه ، ثم قال لي : يا دعبل احبّ أن تنشدنى شعرا ؟ فانّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بنى اميّة ، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحدا كان أجره على اللّه تعالى ، يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره اللّه معنا في زمرتنا ، يا دعبل من بكى على مصائب جدّى الحسين عليه السلام غفر اللّه له ذنوبه البتّة ، ثم انّه عليه السلام نهض وضرب سترا بيننا وبين حرمه وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصائب جدّهم الحسين عليه السلام ، ثمّ التفت الىّ وقال : يا دعبل رث الحسين عليه السلام ؟ فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّا ، فلا تقصر عن نصرنا ما اسطعت ؟ قال دعبل : فاستعبرت وسالت العبرة عن عيني وأنشدت :
تجاوبن بالأدنان والزّفرات * نوائح عجم اللّفظ والنّطقات
يخبّرن بالأنفاس عن سرّ أنفس * أسارى هوى ماض وآخر آت
فاصعدن أو اسففن حتّى تقوّضت * صفوف الدجى بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المها * سلام شج صبّ على العرصات
فعهدى بها خصر المعاهد مألفا * من العطرات البيض والخفرات
ليالي يعدين الوصال على القلا * وتعدين تدانينا على الغربات
وإذ هنّ يلحظن العيون سوافرا * ويسترن بالأيدي على الوجنات
وإذ كلّ يوم لي بلحظي نشوة * يبيت بها قلبي على نشوات
فكم حسرات هاجها بمحسّر * وقوفي يوم الجمع من عرفات