ونهم وفطن ، فجاز ان يكون حاذر أبلغ لدلالته على زيادة الحذر وان لم يدل على ثبوته ولزومه .
ثم إن الرحمة في بنى نوع الانسان : رقة القلب ثم عطفه ، لان شخصا إذا رأى شخصا في مهلكة عظيمة ومحنة جسيمة كغرق أو حرق مثلا فيحصل له من ذلك انفعال ورقة قلب ثم يستنقذه ويخلصه من تلك المهلكة ، ولا شك في وصفه بالرحمة .
وهذا الوصف قد يكون باعتبار المبدء اعني الرقة التي هي انفعال ، وقد يكون باعتبار الغاية اعني التخليص الذي هو فعل . وقد يكون بهما .
وفي اللّه سبحانه : عطفه وبره ورزقه احسانه ، فهي فيه تعالى اما إرادة الاحسان أو الاحسان نفسه ، فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل .
وعلي التقديرين مجاز باعتبار الغايات وحدها لا باعتبار المبادى ، بمعنى انها فيه مجاز مرسل بذكر السبب وإرادة المسبب اعني الانعام ، ولو جعل مجازا مرسلا عن إرادة الانعام لجاز فان الرحمة سبب للإرادة أولا بواسطة إرادة الانعام ثانيا .
ويجوز ان يجعل استعارة على سبيل التمثيل فلا حاجة حينئذ إلى التجوز لأنه أريد بالصلاة الرحمة وبها الاحسان ، كما اختير في الغضب فإنه صار مجازا عن إرادة الانتقام ، وهذا عن نفس الانعام إشارة انه كريم رحيم سبقت رحمته غضبه فهو للثواب والانعام فاعل وللعقاب والانتقام مريد وان كان يفضي إلى الفعل .
وبالجملة وصفه تعالى بالرحمة باعتبار غايتها التي هي بره ورزقه واحسانه وتفضله أو ارادته ، لا باعتبار مبدئها اعني العطف ورقة القلب لتنزهه سبحانه عما يتبع المزاج ، فالرحمة هنا مجاز عن الانعام والبر الذين هما الغاية .
وبما ذكرنا ينقدح اندفاع أكثر المشكلات الناشئة من اسناد مثل هذه الصفات اليه تعالى مثل قوله ( ص ) حكاية عن اللّه سبحانه أنه قال : ( ما تردت في شئ انا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن ، يكره الموت وانا اكره مسائته ) لان اسناد التردد اليه تعالى محال فالمراد به الغاية ، مثلها في قوله عز من قائل
( قالَتا