المبحث السابع في بيان الرحمن الرحيم
هما بمنزلة الندمان والنديم ، اى مزيد الانعام على الخلق فمرجعهما صفة الإرادة ، وقيل : معطى جلائل النعم ودقائقها فالمرجع حينئذ صفة فعلية ، فعلى القول الأول بمعنى المحسن المتفضل بالإرادة والاختيار .
وهما صفتان مشبهتان أو اسمان بنيا للمبالغة على قول سيبويه من رحم بالكسر كالغضبان والعليم من غضب وعلم ، بعد تنزيله منزلة اللازم كما في قولك فلان يعطى ويمنع ويأكل ويشرب ، أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم ، وذلك لان الصفة المشبهة لا يصاغ من المتعدى حتى يصير كالغرايز يعنى من قبيل نهم ومرض وشرف وحسن ، وهذا مطرد في باب المدح والذم كما نص عليه السكاكى في ( تصريف المفتاح ) وجار اللّه العلامة في ( الفائق ) عند ذكر الفقير والرفيع حيث قال : ان رفيع الدرجات معناه رفيع درجاته لا رافع درجاته ولا رافع الدرجات ، ومثلهما الرب والملك حيث صيغا صفة مشبهة من المتعدى بعد جعله بمنزلة اللازم .
وقال سيبويه : ان الرحيم ان جعل صيغة مبالغة فلا اشكال ، واما لو جعل صفة مشبهة فالوجه ما ذكر من جعله مأخوذا من رحم بعد جعله لازما ، وفي الأول من المبالغة ما ليس في الثاني فان معنى الرحيم ذو الرحمة ومعنى الرحمن كثير الرحمة ، وذلك للاستعمال حيث قالوا يا رحمن الدنيا والآخرة ويا رحيم الآخرة ، ولان زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني كما في قطع وقطّع وكبار وكبّار والفصم والقصم ، قال في ( الصحاح ) كبر بضم الباء اي عظم فهو كبير وكبار فإذا افرط قيل كبار بالتشديد .
لا يقال : ان ما ذكر منقوض بحذر فإنه أبلغ من حاذر .
لأنا نقول : أولا : ان ذلك اكثرى لا كلى وثانيا : ان ذلك فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق متحدى النوع في المعنى كغرث وغرثان وفرح وفرحان وصد وصديان لا كحذر وحاذر للاختلاف فيهما بكون أحدهما اسم فاعل والاخر صفة مشبهة . وثالثا : ان حذرا انما كان أبلغ لإلحاقه في الثبوت بالأمور الجبلية كشره