عَلَيهِمُ الباقونَ ، كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى :
« وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ »
الآيَةَ .
وذلِكَ أنَّ طائِفَةً مِنهُم وَعَظوهُم وزَجَرُوهُم ، ومِن عَذابِ اللَّهِ خَوَّفوهُم ، ومِنِ انتِقامِهِ وشَديدِ بَأسِهِ حَذَّرُوهُم ، فَأَجابوهُم عَن وَعظِهِم :
« لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ »
بِذُنوبِهِم هَلاكَ الاصطِلامِ « 1 »
« أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً »
.
فَأَجابُوا القائِلينَ لَهُم هذا :
« مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ »
؛ هذَا القَولُ مِنّا لَهُم مَعذِرَةٌ إلى رَبِّكُم ، إذ كَلَّفَنَا الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ ، فَنَحنُ نَنهى عَنِ المُنكَرِ لِيَعلَمَ رَبُّنا مُخالَفَتَنا لَهُم وكَراهَتَنا لِفِعلِهِم ، قالوا :
« وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ »
« 2 » ، ونَعِظُهُم أيضاً لَعَلَّهُم تَنجَعُ فيهِمُ المَواعِظُ فَيَتَّقوا هذِهِ الموبِقَةَ ويَحذَروا عُقوبَتَها .
قالَ اللَّهُ تَعالى :
« فَلَمَّا عَتَوْا »
؛ حادُّوا وأَعرَضوا وتَكَبَّرُوا عَن قَبولِهِمُ الزَّجرَ
« عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
« 3 » مُبعَدينَ عَنِ الخَيرِ مُقصَينَ .
قالَ : فَلَمّا نَظَرَ العَشَرَةُ الآلافِ وَالنَّيِّفُ أنَّ السَّبعينَ ألفاً لا يَقبَلونَ مَواعِظَهُم ولا يَحفِلونَ بِتَخويفِهِم إيّاهُم وتَحذيرِهِم لَهُم ، اعتَزَلوهُم إلى قَريَةٍ أخرى قَريبَةٍ مِن قَريَتِهِم ، وقالوا : نَكرَهُ أن يَنزِلَ بِهِم عَذابُ اللَّهِ ونَحنُ في خِلالِهِم .
فَأَمسَوا لَيلَةً فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ كُلَّهُم قِرَدَةً خاسِئينَ « 4 » ، وبَقِيَ بابُ المَدينَةِ مُغلَقاً لا يَخرُجُ مِنهُ أحَدٌ ولا يَدخُلُهُ أحَدٌ .
وتَسامَعَ بِذلِكَ أهلُ القُرى فَقَصَدُوهُم وتَسَنَّموا « 5 » حِيطانَ البَلَدِ فَاطَّلَعوا عَلَيهِم ، فَإِذا
هامش
( 1 ) . الاصطِلامُ : الاستِئصالُ ( مجمع البحرين : ج 2 ص 1046 « صلم » ) .
( 2 ) . الأعراف : 164 .
( 3 ) . الأعراف : 166 .
( 4 ) . الخاسِئ : المطرود ( لسان العرب : ج 1 ص 65 « خسأ » ) .
( 5 ) . تسنّمه : أي علاه ( الصحاح : ج 5 ص 1954 « سنم » ) .