ويَعصي هَواهُ لِطاعَةِ رَبِّهِ ، بُعدُهُ عَمَّن تَباعَدَ مِنهُ نَزاهَةٌ ، ودُنُوُّهُ مِمَّن دَنا مِنهُ لينٌ ورَحمَةٌ ، لَيسَ بُعدُهُ تَكَبُّراً ، ولا قُربُهُ خَديعَةً ، مُقتَدٍ بِمَن كانَ قَبلَهُ مِن أهلِ الإِيمانِ ، إمامٌ لِمَن بَعدَهُ مِنَ البَرَرَةِ المُتَّقينَ . « 1 »
5734 . عنه عليه السلام - في صِفَةِ المُؤمِنينَ - : المُؤمِنونَ هُم أهلُ الفَضائِلِ ، هَديُهُمُ السُّكونُ ، وهَيئَتُهُمُ الخُشوعُ ، وسَمتُهُمُ التَّواضُعُ ، خاشِعينَ ، غاضّينَ أبصارَهُم عَمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِم ، رافِعينَ أسماعَهُم إلَى العِلمِ ، نُزِّلَت أنفُسُهُم مِنهُم فِي البَلاءِ كَما نُزِّلَت فِي الرَّخاءِ ، لَولَا الآجالُ الَّتي كُتِبَت عَلَيهِم لَم تَستَقِرَّ أرواحُهُم في أبدانِهِم طَرفَةَ عَينٍ ، شَوقاً إلَى المَوتِ وخَوفاً مِنَ العَذابِ ، عَظُمَ الخالِقُ في أنفُسِهِم ، وصَغُرَ ما دونَهُ في أعيُنِهِم ، فَهُم كَأَنَّهُم قَد رَأَوُا الجَنَّةَ ونَعيمَها ، وَالنّارَ وعَذابَها ، فَقُلوبُهُم مَحزونَةٌ ، وشُرورُهُم مَأمونَةٌ ، وحَوائِجُهُم خَفيفَةٌ ، وأنفُسُهُم ضَعيفَةٌ ، ومَعونَتُهُم لِإِخوانِهِم عَظيمَةٌ ، اتَّخَذُوا الأَرضَ بِساطاً ، وماءَها طيباً ، ورَفَضُوا الدُّنيا رَفضاً ، وصَبَروا أيّاماً « 2 » قَليلَةً ، فَصارَت عاقِبَتُهُم راحَةً طَويلَةً ، تِجارَتُهُم مُربِحَةٌ ، يُبَشِّرُهُم بِها رَبٌّ كَريمٌ ، أرادَتهُمُ الدُّنيا فَلَم يُريدوها ، وطَلَبَتهُم فَهَرَبوا مِنها .
فَأَمَّا اللَّيلَ فَأَقدامُهُم مُصطَفَّةٌ ، يَتلونَ القُرآنَ يُرَتِّلونَهُ تَرتيلًا « 3 » ، فَإِذا مَرّوا بِآيَةٍ فيها تَخويفٌ أصغَوا إلَيها بِقُلوبِهِم وأبصارِهِم ، فَاقشَعَرَّت مِنها جُلودُهُم ووَجِلَت قُلوبُهُم خَوفاً وفَرَقاً نَحِلَت لَها أبدانُهُم ، وظَنّوا أنَّ زَفيرَ جَهَنَّمَ وشَهيقَها وصَلصَلَةَ حَديدِها في آذانِهِم ، مُكِبّينَ عَلى وُجوهِهِم ، تَجري دُموعُهُم عَلى خُدودِهِم ، يَجأَرونَ إلَى اللَّهِ في فَكاكِ رِقابِهِم .
هامش
( 1 ) . مطالب السؤول : ص 224 ؛ التمحيص : ص 72 نحوه ، بحارالأنوار : ج 78 ص 26 ح 92 .
( 2 ) . في المصدر : « أيّامها » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 3 ) . في بحار الأنوار هنا : « فإذا مَرّوا بِآيَةٍ فيها تَشويقٌ رَكنوا إلَيها طَمَعاً ، وتَطَلَّعَت أنفسُهُم تَشَوُّقاً ، فَيُصَيِّرونَهانصبَ أعيُنهِم . وإذا مَرّوا بآيَةٍ فيها تَخويفٌ . . . » .