عمل ، وتارةً في التصديق العملي للحقائق الدينية ، وحيناً في تصديق الادّعاء ، وأخيراً في تصديق الحقّ حيناً وتصديق الباطل حيناً آخر .
على هذا الأساس ، فإنّ لكلمة « الإيمان » في القرآن استعمالات كثيرة تتجاوز الوجوه الّتي ذُكرت في تفسير القمّي « 1 » .
هامش
( 1 ) . جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمي : الإيمان في كتاب اللَّه على أربعة أوجه : فمنه إقرار باللسان قد سمّاه اللَّه إيماناً ، ومنه تصديق بالقلب ، ومنه الأداء ، ومنه التأييد .
الأوّل : الإيمان الّذي هو إقرار باللسان وقد سمّاه اللَّه تبارك وتعالى إيماناً ونادى أهله به ، لقوله : « يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ فَإِنْ أَصبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَلِنْ أَصبَكُمْ فَضْلٌ مّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُو مَوَدَّةٌ يلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا » ( النساء : 71 - 73 ) . قال الصّادق عليه السلام : لو أنَّ هذِهِ الكَلِمَةَ قالَها أهلُ المَشرق وَأهلُ المَغرِبِ ، لَكانُوا بِها خارجِينَ مِنَ الإيمانِ ، وَلكِن قد سَمّاهُمُ اللَّهُ مُؤمِنينَ بإقرارِهِم .
وقوله : « يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » ( النساء : 136 ) ، فقد سمّاهم اللَّه مؤمنين بإقرارهم ثمّ قال لهم صدّقوا .
الثاني : الإيمان الّذي هو التصديق بالقلب ، فقوله : « الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِى الْأَخِرَةِ » ( يونس : 63 و 64 ) ، يعني صدقوا . وقوله : « وَإِذْ قُلْتُمْ يمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » ( البقرة : 55 ) ، أي لا نصدّقك . وقوله : « يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ » ، أي يا أيّها الّذين أقرّوا صدِّقوا ، فالإيمان الحقّ هو التصديق ، وللتصديق شروط لا يتمّ التصديق إلّابها . وقوله : « لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَالْمَللِكَةِ وَالْكِتبِ وَالنَّبِيّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِى ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتمَى وَالْمَسكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآلِلِينَ وَفِى الرّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عهَدُواْ وَالصبِرِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْللِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْللِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » ( البقرة : 177 ) ، فمن أقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدِّق .
الثالث : الإيمان الذي هو الأداء ، فهو قوله لمّا حوّل اللَّه قبلة رسوله إلى الكعبة ، قال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : يا رسول اللَّه ! صلواتنا إلى بيت المقدس بطلت ؟ فأنزل اللَّه تبارك وتعالى :« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ »( البقرة : 143 ) ، فسمّى الصلاة إيمانا .
الرابع : من الإيمان ، وهو التأييد الّذي جعله اللَّه في قلوب المؤمنين من روح الإيمان ، فقال :« لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »( المجادلة : 22 ) ، والدليل على ذلك قوله عليه السلام : لا يَزنِي الزّاني وَهُوَ مُؤمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السّارقُ وَهُوَ مُؤمِنٌ ، يُفارقُهُ روحُ الإيمانِ مادامَ عَلَى بَطنِها ، فَإذا قامَ عادَ إلَيهِ . قيل : وما الّذي يفارقه ؟ قال : الَّذي يَدَعُهُ ( يرعد ظ ) في قلبِهِ . ثمّ قال عليه السلام : ما مِن قلبٍ إلَّاوَلَهُ اذنانِ عَلَى أَحَدِهِما مَلَكٌ مُرشِدٌ ، وَعَلَى الآخَر شَيطانٌ مُغتَرٌّ ، هذا يَأمُرُهُ وَهذا يَزُجرُهُ .
ومن الإيمان ما قد ذكره اللَّه في القرآن حيث قال :« ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »( آل عمران : 179 ) . ومنهم من يكون مؤمناً مصدّقاً ولكنّه يلبس إيمانه بظلم ، وهو قوله :« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ »( الأنعام : 82 ) ، فمن كان مؤمناً ثمّ دخل في المعاصي الّتي نهى اللَّه عنها ، فقد لبس إيمانه بظلم ، فلا ينفعه الإيمان حتّى يتوب إلى اللَّه من الظلم الّذي لبس إيمانه ، حتّى يخلص للَّه ، فهذه وجوه الإيمان في كتاب اللَّه ( تفسير القمّي : ج 1 ص 30 ) .