لَم يَزَل مَرعِيّاً بِعَينِ اللَّهِ ، يَحفَظُهُ ويَكلَؤُهُ بِسِترِهِ ، مَطروداً عَنهُ حَبائِلُ إبليسَ وجُنودِهِ ، مَدفوعاً عَنهُ وُقوبُ الغَواسِقِ « 1 » ونُفوثُ « 2 » كُلِّ فاسِقٍ ، مَصروفاً عَنهُ قَوارِفُ « 3 » السّوءِ ، مُبَرَّأً مِنَ العاهاتِ ، مَحجوباً عَنِ الآفاتِ ، مَعصوماً مِنَ الزَّلّاتِ ، مَصوناً عَنِ الفَواحِشِ كُلِّها ، مَعروفاً بِالحِلمِ وَالبِرِّ في يَفاعِهِ « 4 » ، مَنسوباً إلَى العَفافِ وَالعِلمِ وَالفَضلِ عِندَ انتِهائِهِ ، مُسنَداً إلَيهِ أمرُ والدِهِ ، صامِتاً عَنِ المَنطِقِ في حَياتِهِ .
فَإِذا انقَضَت مُدَّةُ والِدِهِ ، إلى أنِ انتَهَت بِهِ مَقاديرُ اللَّهِ إلى مَشيئَتِهِ ، وجاءَتِ الإِرادَةُ مِنَ اللَّهِ فيهِ إلى مَحَبَّتِهِ ، وبَلَغَ مُنتَهى مُدَّةِ والِدِهِ عليه السلام فَمَضى ، وصارَ أمرُ اللَّهِ إلَيهِ مِن بَعدِهِ ، وقَلَّدَهُ دينَهُ ، وجَعَلَهُ الحُجَّةَ عَلى عِبادِهِ ، وقَيِّمَهُ في بِلادِهِ ، وأيَّدَهُ بِروحِهِ ، وآتاهُ عِلمَهُ ، وأنبَأَهُ فَصلَ بَيانِهِ ، وَاستَودَعَهُ سِرَّهُ ، وَانتَدَبَهُ لِعَظيمِ أمرِهِ ، وأنبَأَهُ فَضلَ بَيانِ عِلمِهِ ، ونَصَبَهُ عَلَماً لِخَلقِهِ ، وجَعَلَهُ حُجَّةً عَلى أهلِ عالَمِهِ ، وضِياءً لِأَهلِ دينِهِ ، وَالقَيِّمَ عَلى عِبادِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ بِهِ إماماً لَهُم ، استَودَعَهُ سِرَّهُ ، وَاستَحفَظَهُ عِلمَهُ ، وَاستَخبَأَهُ حِكمَتَهُ ، وَاستَرعاهُ لِدينِهِ ، وَانتَدَبَهُ لِعَظيمِ أمرِهِ ، وأحيا بِهِ مَناهِجَ سَبيلِهِ ، وفَرائِضَهُ وحُدودَهُ ، فَقامَ بِالعَدلِ عِندَ تَحَيُّرِ أهلِ الجَهلِ ، وَتَحييرِ أهلِ الجَدَلِ ، بِالنّورِ السّاطِعِ ، وَالشِّفاءِ النّافِعِ ، بِالحَقِّ الأَبلَجِ ، وَالبَيانِ اللّائِحِ مِن كُلِّ مَخرَجٍ ، عَلى طَريقِ المَنهَجِ الَّذي مَضى عَلَيهِ الصّادِقونَ مِن آبائِهِ عليهم السلام ، فَلَيسَ يَجهَلُ حَقَّ هذَا العالِمِ إلّاشَقِيٌّ ، ولا يَجحَدُهُ إلَّا غَوِيٌّ ، ولا يَصُدُّ عَنهُ إلّاجَرِيٌّ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وعَلا . « 5 »
هامش
( 1 ) . الغاسق إذا وقب : أي الليل إذا دخل وأقبل بظلامه ( النهاية : ج 5 ص 212 « وقب » ) .
( 2 ) . النَّفثُ بالفم : وهو شبيه بالنفخ ، وهو أقلّ من التفل ( النهاية : ج 5 ص 88 « نفث » ) .
( 3 ) . قَرَفَ الذنب : إذا عمله ( النهاية : ج 4 ص 45 « قرف » ) .
( 4 ) . أيفَعَ الغلُام فهوَ يافِعٌ : إذا شارَفَ الاحتلام ولمّا يحتلِم . واليَفاع : اليافِع ( انظر : النهاية : ج 5 ص 299 « يفع » ) .
( 5 ) . الكافي : ج 1 ص 203 ح 2 ، الغيبة للنعماني : ص 224 ح 7 نحوه وكلاهما عن إسحاق بن غالب ، بحار الأنوار : ج 25 ص 150 ح 25 .