فكيف يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات ؟
الجواب هو أنّ هذه الأحاديث تعبّر عن التأثير المتبادل لمعرفة اللَّه ومعرفة أهل البيت ، فمن جهةٍ معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته - كما جاء في الحديث أعلاه - فرع معرفة اللَّه ، ذلك أنّ النبوّة لا تكتسب معناها إلّابعد إثبات وجود اللَّه ، ومن جهةٍ أخرى ، ما لم يَدْعُ الأنبياءُ النّاس إلى معرفة اللَّه ، وما لم يهيّئوا أرضيّة التفكّر في براهين التوحيد بين ظهراني النّاس ، لا يتوجّه أحد صوب معرفة اللَّه عز وجل ، حينئذٍ - كما بيّنا - ولا يتسنّى نيلُ الدرجات العليا من معرفة اللَّه إلّاعن طريق تعليمات النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وإرشاداتهم .
على هذا الأساس لا تعارض بين الطائفتين من الروايات المشار إليها ، أي في البداية يدعو الأنبياء وأوصياؤهم النّاس إلى معرفة اللَّه على أساس البرهان ، وبعد أن عرفوا اللَّه سبحانه تدعوهم عقولهم إلى اتّباع رسلاللَّه والقادة الربّانيّين ، ويمهّد أئمّة الدين الأرضيّة لتعالي الإنسان وبلوغ الدرجات العليا من مراتب معرفة اللَّه .
رابعاً : الاستعانة باللَّه عز وجل
إنّ التعليم الرابع في السلوك إلى اللَّه هو بالتضرّع إليه - جلّ شأنه - والاستعانة به .
وللدعاء في إيصال السالك إلى الهدف طريقيّة وموضوعيّة ، وتعود طريقيّته إلى أنّه مصدر توفيق للإنسان للقيام بسائر برامج السلوك ، أمّا موضوعيّته فتؤول إلى أنّه لُبُّ العبادة « 1 » .
بل يمكن أن نقول : إذا تحقّقت شروط الدعاء فإنّه من أقرب طرق الوصول إلى الهدف ، بل هو نفسه الطريق الأقرب إلى ذلك ، كما قال تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا
هامش
( 1 ) . كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : « الدعاء مخ العبادة » ، بحار الأنوار : ج 93 ص 300 .