وقد مضت حركة الإمام عليه السّلام من المواجهة السلميّة الهادئة ، إلى المواجهة العنيفة والمهيّجة والصريحة ، ووظّف من أجل تحقيق هذا الهدف أسلوب التذكير بحادثة كربلاء وبيان أبعادها ، ابتداءً من التذكير العادي بها والبكاء البحت عليها ، وحتّى استعراض أبعاد الفاجعة ومداها .
وكان بكاء الإمام عليه السّلام يثير التساؤلات أحياناً ، خاصّة عند رؤيته للماء وعند إحضار الطعام . « 1 » وقد بلغ هذا البكاء من الكثرة والسعة درجة بحيث إنّ الناس كانوا ينصحونه بالإقلال من البكاء حفاظاً على سلامته ، ولكنّ الإمام عليه السّلام ومن خلال الإشارة إلى عمق مأساة كربلاء ، والمكانة الاجتماعيّة والدينيّة للأشخاص الذين استشهدوا فيها ، كان يعتبر البكاء على أولئك الأشخاص الأعزّاء أمراً لازماً ومنطقيّاً من جهة ، ومن جهة أخرى كان يشجّع ويحضّ الآخرين عليه . فقد اعتبر البكاء على الإمام عليه السّلام وأصحابه الشهداء سبباً للنجاة من العذاب الإلهي والدخول في الجنّة « 2 » ، وفي بحبوحة الأمن الإلهي ، ولم يكفّ هو نفسه عن البكاء ، حتّى هلاك عبيد اللَّه بن زياد والقتلة الآخرين لشهداء كربلاء ، بل حتّى نهاية عمره الشريف . « 3 »
وعلى هذا فإنّ الإمام زين العابدين عليه السّلام في السنوات الأخيرة من حياته كانت قد توسّعت قاعدتُهُ الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة من جهة ، كما ازداد أصحابُه وأتباعُه وناشرو أفكاره من جهة أخرى . ولذلك ، فقد ترك موقفه واتّجاهُه آثاراً عميقة . وبذلك يجب اعتبار عهد إمامة الإمام زين العابدين عليه السّلام مرحلة إعداد الأرضية ، وتأسيس سنّة مراسم العزاء على
هامش
- كتاب جهاد الإمام السجّاد عليه السّلام للسيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ؛ وكتاب الإمام السجّاد عليه السّلام لحسين باقر وكتاب الإمام السجّاد عليه السّلام لمحمّد حسين علي الصغير .
( 1 ) . راجع : ص 228 ( الفصل الرابع / بكاء الإمام زين العابدين عليه السّلام ) .
( 2 ) . راجع : ص 203 ( الفصل الرابع / ثواب البكاء عليهم ) .
( 3 ) . راجع : ص 228 ( الفصل الرابع / بكاء الإمام زين العابدين عليه السّلام ) .