وما منهم أحدٌ إلا ودمع عَينيه يترقرق على سوادها حزناً على أمير المؤمنين عليه السّلام ، ونظرت إلى أولاده وقد أطرقوا برؤوسهم ، وما تنفّس منهم متنفّسٌ إلّاوظننت أنّ شظايا قلبه تخرج من أنفاسه .
يقول حبيب :
فجمعوا الأطباء ، وجاء أثير بن عمر برئة شاة فنفخها وأدخلها في الجرح ، فلمّا أخرجها رأى عليها أجزاءً من دماغ أمير المؤمنين عليه السّلام ، فسأله الحاضرون ، فخرس وتلجلج لسانه .
فعرف الناس ويئسوا فأطرقوا برؤوسهم ، وكانوا يبكون بهدوء لئلّا تسمع النساء ، سوى الأصبغ بن نباتة الذي لم يطِق صبراً دون أن شرق بعبرته وبكى بصوت عالٍ ، ففتح الإمام عليه السّلام عينيه وبعد كلمات قال حبيب :
فقلت : يا أبا الحسن ، لا يهولنّك ما ترى ، وإنّ جرحك غير ضائر فإنّ البرد لا يزيل الجبل الأصمّ ، ونفحة الهَجير لا يُجّفف البحر الخضَمّ ، والصِّلّ يقوى إذا ارتعش ، والليثُ يَضرى إذا خُدِش .
فأجابه الإمام عليه السّلام بجواب سمعته امّ كلثوم فبكت ، فطلبها عليه السّلام ، فدخلت على أبيها - ويبدو من هذا النقل أنّها جاءت أمام الجميع - وقالت :
أنت شمسُ الطالبيّين ، وقمر الهاشميّين ، دسّاسُ كُثبها المُترصِّد ، وأرقمُ أجمتِها المتفقّد ، عِزُّنا إذا شاهت الوجوه ذلًاّ ، جمعنا إذا الموكبُ الكثير قَلّا . إلى آخره .
وللأسف فإنّ هذا الخبر المسجّع المقفّى الذي تسرّ النفس لسماعه ، ليس له أصلٌ ! ونحن لا نجد شيئاً من هذه الكلمات أبداً في كتاب الثقة الجليل عاصم بن حميد ، مع
هامش
- للموت ، سُمّوا بذلك لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعرفون بها للأعداء ( مجمع البحرين : ج 2 ص 942 ) والمراد هنا نُخَبه وأصحابه عليه السّلام المتقدّمين على غيرهم من الجند .
والخميس : الجيش ، سُمّي به لأنّه مقسوم بخمسة أقسام : المقدّمة والسابقة والميمنة والميسرة والقلب . وقيل : لأنه تُخمّس فيه الغنائم ( النهاية : ج 2 ص 79 ) وراجع : موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام : ج 2 ص 312 .