علينا أن نقول :
( لا تزال صرخة « العطش » تنطلق من صحراء كربلاء وتصل إلى كوكب العيّوق « 1 » ، من أفواه أولئك العطاشى ) . « 2 »
ولكن هل يقتصر تاريخ عاشوراء على هذا الوجه فقط ؟ هل هو رثاء ومصيبة فقط وليس شيئاً آخر ؟ !
هذا هو الخطأ ؛ فإنّ لهذا التاريخ وجهاً آخر أيضاً بطله ليس يزيد بن معاوية ، ولا ابن زياد ، ولا شمراً ، بل بطله الحسين . ولا وجود للجريمة ولا للمأساة في هذا الوجه ، بل فيها الملحمة والفخر والنور ، وتجلّي الحقيقة والإنسانية ، وتجلّي العبودية للَّه سبحانه . وعندما ننظر إلى هذا الوجه نقول : إنّ من حقّ البشرية أن تفتخر بنفسها ، ولكنّنا عندما نطالع صفحته السوداء نرى البشريّة تطأطئ رأسها وترى نفسها مصداقاً للآية :
« قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ »
! « 3 »
ومن المسلّم به أنّ جبرئيل لا يتساءل قائلًا :
« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ »
في مقابل قول اللَّه تعالى :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
، « 4 » وإنّما الذي يتساءل هو الملائكة التي كانت لا ترى سوى الوجه الأسود للبشرية ، ولم تكن ترى
هامش
( 1 ) . العَيّوق : نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن ، يتلو الثريّا لا يتقدّمه ( لسان العرب : ج 10 ص 280 « عوق » ) .
( 2 ) . هذه الجملة تعريبُ بيتٍ بالفارسية من ديوان محتشم الكاشاني ، وأصل البيت هو :زان تشنگان هنوز به عَيّوق ميرسد * فرياد « العَطَش » ز بيابان كربلا( 3 ) . البقرة : 30 .
( 4 ) . البقرة : 30 .