قالَ : فَخَرَجتُ بَينَ الصَّفَّينِ ، فَوَقَفتُ عَلَيهِ فَإِنَّهُ لَيَجودُ بِنَفسِهِ ، فَوَاللَّهِ ما رَأَيتُ قَتيلًا مُضَمَّخاً بِدَمِهِ أحسَنَ مِنهُ ولا أنوَرَ وَجهاً ، ولَقَد شَغَلَني نورُ وَجهِهِ وجَمالُ هَيأَتِهِ عَنِ الفِكرِ في قَتلِهِ ، فَاستَسقى في تِلكَ الحالِ ماءً ، فَسَمِعتُ رَجُلًا يَقولُ لَهُ : وَاللَّهِ لا تَذوقُ الماءَ حَتّى تَرِدَ الحامِيَةَ فَتَشرَبَ مِن حَميمِها . « 1 »
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السّلام : لا ، بَل أرِدُ عَلى جَدّي رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله ، وأسكُنُ مَعَهُ في دارِهِ ، في مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَليكٍ مُقتَدِرٍ ، وأشرَبُ مِن ماءٍ غَيرِ آسِنٍ « 2 » ، وأشكو إلَيهِ مَا ارتَكَبتُم مِنّي وفَعَلتُم بي .
قالَ : فَغَضِبوا بِأَجمَعِهِم ، حَتّى كَأَنَّ اللَّهَ لَم يَجعَل في قَلبِ أحَدٍ مِنهُم مِنَ الرَّحمَةِ شَيئاً ، فَاحتَزّوا رَأسَهُ وإنَّهُ لَيُكَلِّمُهُم ، فَعَجِبتُ مِن قِلَّةِ رَحمَتِهِم ! ! وقُلتُ : وَاللَّهِ لا اجامِعُكُم عَلى أمرٍ أبَداً ! « 3 » 1962 . مثير الأحزان : لَمّا اثخِنَ [ الحُسَينُ عليه السّلام ] بِالجِراحِ ، ولَم يَبقَ فيهِ حَراكٌ ، أمَرَ شِمرٌ أن يَرموهُ بِالسِّهامِ ، وناداهُم عُمَرُ بنُ سَعدٍ : ما تَنتَظِرونَ بِالرَّجُلِ ؟ وأمَرَ سِنانَ بنَ أنَسٍ أن يَحتَزَّ رَأسَهُ ، فَنَزَلَ يَمشي إلَيهِ وهُوَ يَقولُ : أمشي إلَيكَ وأعلَمُ أنَّكَ سَيِّدُ القَومِ ، وأنَّكَ خَيرُ النّاسِ أباً وامّاً ! فَاحتَزَّ رَأسَهُ ، ورَفَعَهُ إلى عُمَرَ بنِ سَعدٍ ، فَأَخَذَهُ فَعَلَّقَهُ في لَبَبِ « 4 » فَرَسِهِ . « 5 »
1963 . تذكرة الخواصّ عن هشام بن محمّد : صاحَ شِمرٌ ما تَنتَظِرونَ بِهِ ؟ احمِلوا عَلَيهِ ! فَتَشَدَّدَ
هامش
( 1 ) . الحَمِيمُ : الماء الشديد الحرارة ( مفردات ألفاظ القرآن : ص 254 « حمّ » ) .
( 2 ) . أسنَ الماء فهو آسن : إذا تغيّرت ريحه ( النهاية : ج 1 ص 49 « أسن » ) .
( 3 ) . الملهوف : ص 174 ، مثير الأحزان : ص 75 نحوه ، بحار الأنوار : ج 45 ص 57 وراجع : مروج الذهب : ج 3 ص 71 .
( 4 ) . اللَّبَبُ : المنحر ( القاموس المحيط : ج 1 ص 127 « ألَب » ) .
( 5 ) . مثير الأحزان : ص 74 .