والثاني على سبيل التعريض والاستهزاء .
والثالث على أنّ به مرض الهمّ والحزن من عنادهم ، أو الحمّى - على ما قيل - .
وأمّا الشبهة في حقّ يعقوب فمن جهة الإفراط في المحبّة والحزن الشديد والبكاء .
والجواب : أنّه لا معصية في ميل النفس سيّما إلى من به آثار الخير والصلاح وأنواع المعارف والكمال ، ولا في بثّ الشكوى والحزن إلى اللَّه .
وأمّا من جهة يوسف فبالهمّ المشار إليه في قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
« 1 » ، ومن جهة جعل السقاية في رحل أخيه ، والرضا بسجود إخوته وأبويه له .
والجواب : أنّ المراد :
وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
والبرهان هو ما عنده من الصوارف العقليّة الزاجرة للنفس عن فعل القبيح ، أو المراد من الهَمّ : الميل الشهويّ الحيوانيّ الموجود في الطبايع البشريّة ، ولولا الزاجر العقليّ والشرعيّ لما انتهى عن كلّ ما يمكنه من القبايح ، ولولا المعرفة الكافلة للقوّة العقليّة المنوّرة بحقيقة التقوى لوقع منه فعل ما لا ينبغي أحياناً ، وليس المراد بالهمّ بالمعصية القصد إليها .
ومن جوّز صدور الذنب عن الأنبياء فقد فسّر « همّ » يوسف عليه السلام بأنّه حلّ سراويله وجلس منها مجلس المجامع ، وفسّر البرهان بأنّه سمع صوتاً : إيّاك وإيّاها ، فلم يرتدع ، ثمّ سمعه ثانياً ، فلم ينته ، ثمّ سمعه ثالثة : أعرض عنها ، فلم ينزجر حتّى تمثّل له يعقوب عاضّاً على أنملته .
وقيل : سمع صوتاً : يا يوسف ، لا تكن كالطائر كان له ريش فلمّا زنى عاد لا ريش له .
وقيل : بدت كفّ فيما بينهما مكتوب فيها :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ
« 2 » فلم ينصرف عمّا هو عليه ، ثمّ رأى فيها :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
« 3 » فلم ينته ، ثمّ رأى فيها :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
« 4 » فلم يتأثّر من
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 24 .
( 2 ) . الانفطار ( 82 ) : 10 - 11 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 32 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 281 .