وعلّل ذلك بقوله : ( لأنّ الرائي متى ساوى المرئيّ في السبب الموجب بينهما في الرؤية ) وهو الهواء المتوسّط ، وكون كلّ منهما واقعاً في طرفه ، مقابلًا للآخر ونحوهما ممّا تقدّم ( وجب الاشتباه ) أي مشابهة أحدهما للآخر في توسّط الهواء بينهما ( وكان في ذلك ) أي في ثبوت المشابهة بينهما ( التشبيه ) للخالق بالمخلوق في كونه طرفاً وفي جهته ، ويصحّ كون الهواء بينهما ، وكونه متحيّزاً ذا صورة إلى غير ذلك ممّا نفاه الدليل العقليّ والنقليّ سيّما قوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 1 » .
ويحتمل أن يكون المعنى : و « كان في ذلك » أي في انقطاع الهواء ( الاشتباه ) أي عدم الرؤية وبقاء المرئي على اشتباهه ، فلا تصحّ الرؤية ، ولا يتّضح حال المرئي للرائي .
ويحتمل أن يكون المعنى : « وكان ذلك » أي في الحكم المذكور ، وهو حصول الرؤية مع الشروط ، وعدمها مع عدمها الاشتباه بين الرائي والمرئي في الشرائط المعتبرة بينهما ، والأوصاف الموجودة فيهما ، المجوّزة لكون كلّ واحد منهما رائياً للآخر ، من المقابلة ، وكون كلّ منهما في جهة ، وكونه جسماً مركّباً ، ومغايرته لبصره ، واحتياجه إلى الشرائط ، وافتقاره إلى الآلة التي يبصر بها ، وغير ذلك ممّا يمتنع نسبته إلى اللَّه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
ويحتمل أن يكون المعنى : « وكان في ذلك » التشبيه ، أي في كون الرائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما ، يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي ، من الوقوع في جهة ليصحّ كون الهواء بينهما ، فيكون متحيّزاً ذا صورة وضعيّة ، فإنّ كون الشيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء ، وتوسّط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقليّ للحكم بكونه في جهة ومتحيّزاً وذا وضع ، وهو المراد بقوله : ( لأنّ الأسباب لابدّ من اتّصالها بالمسبّبات ) .
ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام : « لأنّ الأسباب . . . » إلى آخره تعليلًا لجميع ما ذكر في هذا الدليل .
بيان ذلك : أنّ الهواء المتوسّط سبب للرؤية ، ويكون هذا رائياً من حيث أنّه راءٍ ،
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 11 .