هذا كلّه بالنسبة إلى الدنيا .
وأمّا في الآخرة فلظاهر كثير من الآيات والروايات كقوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » .
وأجيب عن الأوّل : أنّا لا نسلّم أنّ المعلّق عليه هو استقرار الجبل مطلقاً ، فإنّ الجبل كان مستقرّاً مشاهداً وقت هذا التعليل بل استقراره حال التجلّي ، وإمكانه ممنوع ودون إثباته خرط القتاد .
وعن الثاني بالمعارضة والحلّ ؛ أمّا الأوّل فلأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما عدّ طلبها أمراً عظيماً ، ولما سمّاه اللَّه ظلماً ، ولما أرسل عليهم صاعقة ، ولما قال تعالى :
« فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ »
« 2 » .
وأمّا الحلّ فلأنّ الأمر في قوله عليه السلام : « أرني » ليس محمولًا على طلب الرؤية - لعلمه عليه السلام بأنّه لا يمكن رؤيته - بل على إظهار حاله جلّ شأنه على الجماعة الحاضرين معه الطالبين لرؤيته تعالى ، القائلين له :
« أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً »
، فقال عليه السلام ذلك القول ليسمعوا قوله تعالى :
« لَنْ تَرانِي »
فيعلموا أنّه لا يمكن رؤيته ويرجعوا عن اعتقادهم .
وأمّا ما نقل عن ابن عبّاس فمع عدم حجّيته ليس صريحاً في الرؤية العينيّة ؛ لجواز أن يكون المراد بالرؤية التي اختصّت به صلى الله عليه وآله الرؤية القلبيّة ، يعني الإدراك العلميّ على وجه الكمال . ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس : أنّه صلى الله عليه وآله رآه بقلبه « 3 » .
وأمّا الآيات والروايات فمؤوّلة ؛ لمعارضتها العقل والنقل ، ولو لم يكن إلّاقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 4 » ، وقوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 5 » لكفى في ذلك .
فكتب عليه السلام : ( لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئيّ هواء ) شفّاف ( ينفذه ) أي
هامش
( 1 ) . القيامة ( 75 ) : 22 و 23 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 153 .
( 3 ) . صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 109 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 103 .
( 5 ) . الشورى ( 42 ) : 11 .