أحدها : أن تحمل هذه الخطبة - الدالّة على اعتراف الراسخين في العلم وتسليمهم - على أنّ وقت ذلك قبل أن يعلّمهم اللَّه سبحانه ذلك المتشابه ، وما عداها على ما بعد ذلك ، فكأنّه سبحانه بيّن أنّهم لمّا آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات والمتشابهات ، ولم يتّبعوا ما تشابه منه - كالذين في قلوبهم زيغ - آتاهم اللَّه علم التأويل ، وضمّهم إلى نفسه في الاستثناء في قوّة دفع الاستبعاد عن مشاركتهم للَّهفي ذلك العلم ، وبيان أنّهم إنّما استحقّوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل ، وقصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم ، وإن علموا التأويل بوحي إلهي .
وفي تتمّة كلامه عليه السلام بعد هذا دليل على ذاك ، فإنّه عليه السلام لمّا أخبر ببعض المغيّبات قال له رجل كلبيّ : أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ فقال عليه السلام : « يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلّم من ذي علم » .
ثانيها : أن يكون المراد بإقرارهم بالعجز عن إدراك المتشابهات وتسليمهم إنّما هو بالنظر إلى ذاتهم وطبيعتهم البشريّة ، بحيث لو خلوا وأنفسهم ولم يعلموا ذلك بوحي إلهيّ لكانوا عاجزين عن ذلك ، مسلّمين له ، وذلك غير مناف لعلمهم بذلك من الوحي الإلهي كما قالت الملائكة :
« سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا »
« 1 » .
ثالثها : أن يكون للآية معنيان : ظهر وبطن ؛ فالمتشابه بالنسبة إلى أحدهما المراد به :
إدراك كنه الواجب ومعرفة حقيقته ، وهم عليهم السلام بالنسبة إلى هذا المعنى عاجزون عن إدراكه ومعرفته حقّ المعرفة ، فكلّ منهم قائل : سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك .
وعلى هذا المعنى تحمل الخطبة .
والمعنى الثاني للمتشابه هو : معرفة معاني المتشابهات وإدراكها من القرآن ، وهذا هو المعنى الذي علموه عليهم السلام بالوحي الإلهي وعليه تحمل الأخبار المذكورة .
وعلى الأوّل فالوقف على اللَّه « 2 » ، وعلى الثاني فلا وقف ، وهو معنى دقيق لا يخفى لطفه .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 32 .
( 2 ) . أي الوقف في الآية :« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ».