المعرفة بالشيء تحصل من جهة رؤيته ضرورة ، فإذا جازت رؤيته سبحانه وقعت المعرفة به ضرورة .
ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون الإيمان به سبحانه عبارة عن تلك المعرفة التي تحصل من جهة رؤيته ، أو عبارة عن المعرفة التي اكتسبناها في دار الدنيا .
فإن كان الأوّل فالمعرفة الثانية ليست بإيمان ؛ لأنّها ضدّه ، فإنّا قد اكتسبنا في دار الدنيا علماً برهانيّاً من جهة العقل والنقل بأنّ اللَّه سبحانه ليس بجسم ولا صورة ولا محدود ولا محصور في جهة ولا مكان ولا زمان ، وأنّه حاضر عندنا ولا نراه بهذه الأعين مع صحّة أعيننا وجامعيّتها لشرائط الرؤية .
وبالجملة ، لا يجوز أن يحاط به معرفةً وعلماً كما قال عزّ وجلّ :
« وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً »
« 1 » وكما دلّ عليه إحاطته عزّ وجلّ بكلّ شيء فلا يحاط بشيء . وظاهر أنّ هذا ضدّ لمعرفته سبحانه من جهة الرؤية بهذه الأعين .
وإن كان الإيمان به جلّ ذكره عبارة عن المعرفة التي اكتسبناها في دار الدنيا ، فلا يخلو إمّا أن تزول تلك المعرفة عند رؤيته سبحانه في الآخرة أو لا تزول ، ولا يجوز أن لا تزول ؛ لأنّهما ضدّان فكيف يجتمعان ؟
ولا يجوز أيضاً أن تزول ؛ لأنّ الفرض أنّ الإيمان عبارة عن هذه المعرفة ، وأنّ هذا العلم من جملة أركان الإيمان والاعتقاد الصحيح باللَّه جلّ ذكره ، وأنّه كذلك ، وظاهر أنّ الاعتقاد الصحيح لا يزول في الآخرة ، فمعرفته من جهة الرؤية ليست بصحيحة ، فلا يجوز أن يرى اللَّه سبحانه بهذه الأعين بحال . « 2 » الثالث : أنّ حاصل الدليل : أنّ المعرفة من جهة الرؤية غير متوقّفة على الكسب والنظر ، والمعرفة في دار الدنيا متوقّفة عليه ، ضعيفة بالنسبة إلى الأولى فتخالفتا ، مثل :
الحرارة القويّة والحرارة الضعيفة ، فإن كانت المعرفة من جهة الرؤية إيماناً لم تكن
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 110 .
( 2 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 380 - 381 .