والحال أنّه لم يكن معلوم ، بل قد كان عالماً ، والمعلوم ليس بحاضر ، وقد كان سميعاً والمسموع ليس بحاضر ، وبصيراً والمبصر ليس بحاضر ؟ !
ثمّ صرّح بنفي ما يوهم كلامه عليه السلام من نفي العلم مطلقاً بقدمه قبل وجود المعلومات ، فقال عليه السلام : لم يزل عالماً سميعاً بصيراً ذاتٌ علّامةٌ سميعةٌ بصيرةٌ ، يعني : أنّ هذه الصفات عين الذات وليست بزائدة عليها ، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا إن شاء اللَّه .
[ هل السمع والبصر هما نفس العلم ، بالمسموعات والمبصرات ؟ ]
ثمّ اعلم أنّه قد اختلف العلماء في أنّ السمع والبصر هل هما نفس العلم بالمسموعات والمبصرات ، أو صفة أخرى غير العلم ؟ فذهب المحقّقون منهم - وهو الذي عليه الإماميّة - إلى الأوّل ، وهو الذي دلّت عليه الأدلّة العقليّة والنقليّة ، ومنها هذا الخبر وغيره .
وذهب طائفة إلى الثاني ، وقالوا : ذكرهما مع العلم في كثير من الآيات والروايات ، وإثباتهما بالدليل بعد إثبات العلم بجميع المعلومات دليل على المغايرة .
وربّما تخيّل أنّهما نوعان من الإدراك لا يتعلّقان إلّابالوجود العيني ، فهما من توابع الفعل فيكونان حادثين بعد الوجود .
والحقّ هو الأوّل ؛ لما عرفت ، وذكر الخاصّ بعد العام شائع ، وإثباتهما بالدليل - بعد إثبات عموم العلم - للدلالة على تحقّق هذا العلم المخصوص له سبحانه ، أعني العلم بالمسموع والمبصر .
ويمكن كونهما ردّاً على بعض الحكماء المتفلسفين حيث زعموا أنّه تعالى غير عالم بالجزئيّات فكان ذلك ردّاً عليهم .
لا يقال : كما أنّه تعالى عالم بالمسموع والمبصر من هذه الحيثيّة ، فكذلك هو عالم بالملموس مثلًا من حيث إنّه ملموس ، فلِمَ لا يطلق عليه اللامس ويراد أنّه عالم بالملموسات بالحيثيّة المذكورة ؟
لأنّا نقول : لا ريب في أنّه تعالى عالم بها من هذه الحيثيّة ، ولكن لمّا كانت أسماؤُه تعالى توقيفيّة - لا يقدم عليها إلّابإذنٍ منه - لم نطلق ذلك عليه .