تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ولمّا كان مراده تعالى من إقداره العبد في فعله وتمكينه له فيه : صدور الأفعال عنه باختياره وإرادته إذا لم يكن مانع ، أيّ فعل أراد واختار من الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، ولم يرد منه خصوص شيء من الطاعة والمعصية ، ولم يرد جبره في أفعاله ليصحّ تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له ، ولا يعلم تلك المصلحة إلّااللَّه تعالى ، وكلّفه بعد ذلك الإقدار بإعلامه بمصالح أفعاله ومفاسدها في صورة الأمر والنهي ؛ لأنّهما من اللَّه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع ، ونهيه عن أكل الغذاء الضارّ ، وذلك ليس بأمر ونهي حقيقة ، بل هو إعلام بما هو نافع وضارّ له . فمن صدور الكفر والعصيان عن العبد بإرادته المؤثّرة واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالباً عليه تعالى ، ولا يلزم عجزه تعالى ، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب ، ولا عجز الطبيب إذا خالفه المريض وهلك ، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيّته تعالى وإرادته ، ولا يلزم الظلم في عقابه ؛ لأنّه فعل القبيح بإرادته المؤثّرة ، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحقّ فاعله العقاب . ولمّا كان مع ذلك الإعلام من الأمر والنهي بواسطة الحجج البيّنة ، اللّطف والتوفيق في الخيرات والطاعات من اللَّه جلّ ذكره ، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يُسند وينسب إليه تعالى ؛ لأنّ مع إقداره وتمكينه له وتوفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات ومضارّ تركها والكفّ عنها بأوامره . وما فعله من سيّئة فمن نفسه ؛ لأنّه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيّئات ومنافع الكفّ عنها بنواهيه . وهذا من قبيل إطاعة الطبيب ومخالفته ، فإنّ من أطاعه وبرأ من المرض يقال له : عالجه الطبيب وصيّره صحيحاً ، ومن خالفه وهلك يقال : أهلك نفسه لمخالفته الطبيب ؛ فظهر إسناد الحسنات إلى اللَّه تعالى وإسناد السيّئات إلى العبد ، فهذا معنى الأمر بين الأمرين ، وينطبق عليه الآيات والأخبار من غير تكلّف . « 1 » انتهى .
هامش
( 1 ) . سبق ذكر هذا الوجه عن بعض الأفاضل في شرح الحديث الثالث عشر .
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 204 | السيد عبد الله شبر