صالحين ، ولمّا كان هذا من غوامض مسائل القضاء والقدر ، الذي لا تدركه عقول البشر ، أجابه عليه السلام ب « أنّ حكم اللَّه لا يقوم له - أي لمعرفته وأسراره - أحد من خلقه بحقّه » ، أي بحقّ الحكم أو بحقّ القيام ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام - وقد سأله سائل عن القدر - فقال : « بحر عميق فلا تلجه » ، ثمّ سأله ثانياً ، فقال : « طريق مظلم فلا تسلكه » ، ثمّ سأله ثالثة ، فقال : « سرّ اللَّه فلا تتكلّفه » . « 1 » ثمّ قال عليه السلام : ( فلمّا حكم ذلك وهب لأهل محبّته ) أي للذين علم أنّهم سيصبرون على طاعته ، ويقومون على أمره ونهيه ، ويسلكون باختيارهم بسيل محبّته . والإضافة يحتمل أن تكون إلى الفاعل أو إلى المفعول ، أي الذين أحبّهم لعلمه بأنّهم يطيعونه ، أو الذين يحبّونه .
( القوّة على معرفته ) ، ولعلّ المراد بهذه القوّة هي الملكة الراسخة التي يقتدر بها على الطاعات بسهولة وإقبال ، وإلّا فالقوّة التي هي عبارة عمّا يصلح للتأثير ، ويمكن ارتباطه بالفعل لا اختصاص لها بهم .
و ( وضع عنهم ثقل العمل ) بالتوفيقات والهدايات والألطاف الخاصّة .
( بحقيقة ما هم أهله ) من الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيّات ؛ فالقوّة والإعانة منه تعالى لطفاً وإكراماً ، والفعل منهم على سبيل الاختيار .
( ووهب لأهل المعصية ) لعلّ الهبة هنا على سبيل التهكّم ، أو يقال : إعطاء أصل القوّة لطف ورحمة ، وباستعمال العبد إيّاها في المعصية تصير شرّاً ، أو أنّهم لمّا كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها ، فكأنّهم سألوا ذلك ووهبهم القوّة على معصيتهم .
وفي إضافة المحبّة والمعرفة إليه تعالى والمعصية إليهم لطف واضح ، وإشارة إلى أنّ المعرفة والمحبّة لمّا كانت من ألطافه تعالى وهداياته وجب أن تضاف إليه ، والمعصية لمّا كانت من مقتضيات نفوسهم وجب أن تضاف إليهم ، والمراد بمعصيتهم : المعصية التي يفعلونها بإرادتهم واختيارهم ؛ ( لسبق علمه فيهم ) بما
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 110 ، ح 35 .