تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
( أن يأتوا حالًا تنجيهم من عذابه لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق ) أي إنّما صاروا كذلك لأنّ علمه تعالى لا يتخلّف ، لا لأنّ العلم علّة ، بل لأنّ علمه سبحانه لا محالة يكون موافقاً للمعلوم . ( وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه ) أي معنى مشيّة اللَّه وسرّها هو هذا المعنى ، أي علمه مع التوفيق لقوم ، ومع الخذلان لآخرين على وجه لا يصير شيء منهما سبباً للإجبار على الطاعة أو المعصية . وقال المحدّث الكاشانيّ في الوافي بعد هذا الحديث ما لفظه : يمكن الإشارة إلى سرّ ذلك لأهله من المتعمّقين وإن كان الظاهريّون بمعزل عن فهمه ونيله ، بأن يقال : لمّا كان الخلق هم المعلومون للَّه‌سبحانه وهو العالم بهم ، والمعلوم يعطي العالم ويجعله بحيث يدرك ما هو عليه في نفسه ولا أثر للعلم في المعلوم بأن يحدث فيه ما لا يكون في حدّ ذاته ، بل هو تابع للمعلوم ، والحكم على المعلوم تابع له ، فلا حكم من العالم على المعلوم إلّابالمعلوم ، وبما يقتضيه بحسب استعداده الكلّيّ والجزئيّ ، فما قدّر سبحانه على العبد الكفر والعصيان من نفسه ، بل اقتضاه أعيانهم وطلبهم بألسنة استعداداتهم أن يجعلهم كافراً أو عاصياً ، كما يطلب عين الصورة الكلبيّة الحكم عليها بالنجاسة العينيّة ، فما كانوا في علم اللَّه سبحانه ظهروا به في وجوداتهم العينيّة ، فليس للحقّ إلّاإفاضة الوجود عليهم ، والحكم لهم وعليهم ، فلا يحمدوا إلّاأنفسهم ولا يذمّوا إلّاأنفسهم ، ولا يبقى للحقّ إلّا حمد إفاضة الوجود ، لأنّ ذلك له لا لهم ، فلذلك قال :
« ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 1 » ، أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثمّ طالبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّابما علّمناهم ، وما علّمناهم إلّابما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه ، فإن كان ظلماً فهم الظالمون ، ولذلك قال :
« وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
« 2 » . وفي الحديث : « من وجد خيراً فليحمد اللَّه ، ومن وجد غير
هامش
( 1 ) . ق ( 50 ) : 29 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 57 .