أهله ، ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم ؛ لسبق علمه فيهم ، ولم يمنعهم إطاقة القبول « 1 » منه ؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق ، فوافقوا ما سبق لهم في علمه وإن قدروا أن يأتوا خلالًا تنجيهم من معصيته ، وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه » « 2 » . « 3 » انتهى .
وهو أقلّ إشكالًا وأظهر انطباقاً على مذهب العدليّة إلّاأنّ أمره عجيب ، فإنّ الموجود في الكافي كما نقلنا ، ولعلّ النسخة التي كانت عنده هكذا ، ولا يخلو من غرابة أيضاً ؛ لتطابق النسخ الموجودة في أيدينا على ما ذكرت .
وظَنُّ أنّه رحمه الله غيّره ليطابق مذهب العدليّة أغرب أيضاً .
وكيف كان ، فلابدّ من توجيه الحديث الأوّل ، فنقول : إنّ سؤال السائل يحتمل أن يكون المقصود منه : إنّ العلم لمّا كان تابعاً للمعلوم كيف تقدّم عليه وتوهّم أنّه يجب تأخّره عن المعلوم ؟ وجوابه حينئذٍ - وإن كان ظاهراً - وهو أنّ تابعيّته لا تستدعي تأخّره عنه بحسب الزمان ، إلّاأنّه عليه السلام لم يُجب عنه لقصور فهم السائل .
ويحتمل أنّ غرض السائل معرفة حقيقة علمه تعالى أنّه إمّا حصوليّ أو حضوريّ ؛ فإن كان حصوليّاً فحصول الصورة لا تتصوّر في حقّه تعالى ، وإن كان حضوريّاً فهو إنّما يكون بعد وجود المعلوم .
ولمّا كانت هذه المسألة من أدقّ المسائل ، وقد تحيّرت فيها عقول الحكماء والمتكلّمين ، ودهشت فيها أفهام الفحول العارفين ، ولم يعرف حقيقة ذلك من عدا الأئمّة الطاهرين ، فأجابه عليه السلام بأنّ هذا من الغوامض ، وسبيل المتشرّعين فيه وفي أمثاله التسليم جملة ، وعدم الخوض فيه تفصيلًا ، والنهي عن التفكير في حقيقته ؛ إذ كما يمتنع إدراك حقيقة ذاته تعالى فكذا يمتنع إدراك كنه صفاته .
ويحتمل - وهو الأظهر - أن يكون غرض السائل السؤال عن سبب أصل السعادة والشقاوة وصيرورة بعض الخلق كفّاراً وبعضهم مؤمنين ، وفرقة فسّاقاً وأخرى
هامش
( 1 ) . في نسخة « ر » : « الطاعة للقبول » .
( 2 ) . في المصدر : « وهو سرّ » .
( 3 ) . التوحيد ، ص 354 - 355 ، ح 1 .