ما توهّمتموه ؛ لأنّ الآلات البدنيّة والعقول البشريّة قاصرة عن إدراك ذاته ، وحاسرة عن معرفة كنه صفاته .
كما قال الباقر عليه السلام : « كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للَّهزبانيتين - أي قرنين - فإنّ ذلك كمالها ، وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لم يتّصف بهما ، وهكذا حال العقلاء في ما يصفون اللَّه تعالى به » . « 1 » ثمّ قال : ( نحن آل محمّد النمط الأوسط ) أي الجماعة القائمون على الوسط ، الذي هو العدل ، لا نفرط ولا نفرّط ، ولا نغلو ولا نقصّر .
( الذي ) صفة للنمط باعتبار اللفظ .
( لا يدركنا ) على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلّم للتصريح بالمقصود .
( الغالي ) بالغين المعجمة - كما في أكثر النسخ - من الغلوّ الواقع في طرف الإفراط ، وبالعين المهملة - كما في بعضها - وهو المتجاوز عن حدّ الفضائل الإنسانيّة . وعلى كلّ حال ، فالمراد به من يتجاوز الحدّ في الأمور ، يعني أنّه قد جاوزنا بغياً وعدواناً ، ولا يدركنا إلّاأن يرجع إلينا .
( ولا يسبقنا التالي ) أي أنّ التالي لم يصل بعد إلينا ، وليس له أن يسبقنا .
أو المراد أنّ التالي - أي التابع لنا - لا يصل إلى النجاة إلّابالأخذ عنّا ، فلا يسبقنا بأن يصل إلى المطلوب لا بالتوصّل بنا .
أو المراد بالتالي هو المقصّر عن بلوغ الفضائل والواقع في طرف التفريط منها كالغالي .
ومعنى ( لا يسبقنا ) أي لا يسبق إلينا ، ويكون المقصود من الفقرتين الشكاية من هذا الخلق المنحوس بعدم رجوع المفرّطين إليهم ، وعدم لحوق المقصّرين بهم مع أنّ ولاية العباد إليهم عليهم السلام .
ثمّ إنّه عليه السلام شرع في توجيه الحديث النبويّ الذي رواه العامّة بأنّ الظرف - وهو قوله
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 293 .