وقد بالغ السيّد المرتضى رحمه الله في الشافي في براءة ساحة الهشامين عمّا نسب إليهما . « 1 » وقيل : إنّهما قالا بجسم لا كالأجسام ، وبصورة لا كالصور ، فلعلّ مرادهم بالجسم :
الحقيقة القائمة بالذات ، وبالصورة : الماهيّة ، وإن أخطأ في ذلك ، وقياس ذلك على كونه تعالى شيئاً كالأشياء باطل :
أمّا أوّلًا : فلأنّ لفظ شيء لا يشعر بالحدوث بخلاف الجسم والصورة .
وأمّا ثانياً : فإنّ جواز إطلاق الاسم عليه تعالى موقوف على الإذن ، وقد اذن لنا في إطلاق الشيء عليه تعالى شرعاً - كتاباً وسنّة - دون الجسم والصورة .
وكيف كان ، فجلالة قدر الهشامين وصحّة عقيدتهما هو المعروف بين الأصحاب .
و ( الصمد ) أريد به هنا المصمت خلاف الأجوف .
وقيل في توجيه كلامهم : إنّهم زعموا أنّ العالم كلّه شخص واحد وذات واحدة ، وله جسم وروح ، فجسمه جسم الكلّ ، وهو الفلك الأقصى بما فيه ، وروحه روح الكلّ ، والمجموع صورة الحقّ الإله ، فقسمه الأسفل الجسمانيّ أجوف ؛ لما فيه من معنى القوّة الإمكانيّة والظلمة الهيوليّة الشبيهة بالخلاء والعدم ، وقسمه الأعلى الروحانيّ صمد ؛ لأنّ الروح العقليّ موجود فيه بالفعل بلا جهة إمكان استعداديّ ومادّة ظلمانيّة ، تعالى اللَّه عمّا يقول الكافرون علوّاً كبيراً .
ثمّ لمّا سمع عليه السلام مقالتهم الفاسدة ومذاهبهم الكاسدة خرّ - أي سقط - ساجداً للَّه تخشّعاً وتعظيماً له تعالى ، منزّهاً له تعالى بقوله : « سبحانك . . » إلى آخره .
ولعلّه عليه السلام لم يتعرّض لإبطال نسبة هذا القول إلى القائلين ، لنوع من المصلحة اتّقاء عليهم .
ثمّ إنّه عليه السلام بعدما نزّه خالقه عن ذلك وتعجّب من تلك الأقوال العظيمة والافتراءات الجسيمة عليه تعالى ، وخاطب اللَّه وناداه ببراءة نفسه القدسيّة ، مهّد قاعدة كلّيّة ، فقال :
( ما توهّمتم من شيء فتوهّموا اللَّه غيره ) أي : فاعلموا واعتقدوا بوهمكم أنّه تعالى غير
هامش
( 1 ) . راجع : الشافي ، ج 1 ، ص 83 - 84 .