الماء ، فعاد أحسن ما كان وأطرأ ، وأنبت اللَّه عليه روضة خضراء ، وردّ عليه أهله وماله وولده وزرعه ، وقعد معه المَلك يحدّثه ويؤنسه ، فأقبلت امرأته ومعها الكسر ، فلمّا انتهت إلى الموضع إذ الموضع متغيّر ، وإذا رجلان جالسان ، فبكت وصاحت وقالت :
يا أيّوب مادهاك ؟ فناداها أيّوب فأقبلت ، فلمّا رأته وقد ردّ اللَّه عليه بدنه ونعمته سجدت للَّهشكراً ، فرأى ذوابتها مقطوعة - وذلك أنها سألت قوماً أن يعطوها ماتحمله إلى أيّوب من الطعام ، وكانت حسنة الذوائب ، فقالوا لها : تبيعينا ذوائبك هذه حتّى نعطيكِ ، فقطّعتها ودفعتها إليهم ، وأخذت منهم طعاماً لأيّوب - فلمّا رآها مقطوعة الشعر غضب وحلف عليها أن يضربها مئة سوط ، فأخبرته أنّه كان سببه كيت وكيت ، فاغتم أيّوب من ذلك ، فأوحى اللَّه إليه :
« وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
« 1 »
فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ »
« 2 » فأخذ مئة شمراخ « 3 » فضربها ضربة واحدة ، فخرج من يمينه .
ثمّ قال :
« وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ »
« 4 » قال :
فردّ اللَّه عليه أهله الّذين ماتوا قبل البلاء ، وردّ عليه أهله الّذين ماتوا بعدما أصابه البلاء كلّهم أحياهم اللَّه تعالى له فعاشوا معه .
وسُئل أيّوب بعد ماعافاه اللَّه : أيّ شيء كان أشدّ عليك ممّا مرَّ عليك ؟
قال : شماتة الأعداء .
قال : فأمطر اللَّه عليه في داره فراش الذهب ، وكان يجمعه فإذا ذهب الريح منه بشيء عدا خلفه فردّه ، فقال له جبرئيل : أما تشبع يا أيوب ؟ !
قال : ومن يشبع من رزق ربّه ! « 5 »
هامش
( 1 ) . الضغث - بالكسر - : الحزمة الصغيرة من الحشيش وغيره .
( 2 ) . سورة ص ( 38 ) ، الآية 44 .
( 3 ) . الشِّمْرَاخُ : غصن دقيق رخصٌ ينبت في أعلى الغصن الغليظ .
( 4 ) . أيضاً ، الآية 43 .
( 5 ) . تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ، ج 2 ، ص 239 ؛ بحار الأنوار ، ج 12 ، ص 341 ( كتاب النبوّة ، باب قصص أيوب عليه السلام ، ح 3 ) .