لِإِضلالي فَأَمهَلتَهُ ، فَأَوقَعَني وقَد هَرَبتُ إلَيكَ مِن صَغائِرِ ذُنوبٍ موبِقَةٍ « 1 » ، وكَبائِرِ أعمالٍ مُردِيَةٍ « 2 » .
حَتّى إذا قارَفتُ « 3 » مَعصِيَتَكَ ، وَاستَوجَبتُ بِسوءِ سَعيي سَخطَتَكَ ، فَتَلَ « 4 » عَنّي عِذارَ غَدرِهِ وتَلَقّاني بِكَلِمَةِ كُفرِهِ ، وتَوَلَّى البَراءَةَ مِنّي ، وأَدبَرَ مُوَلِّياً عَنّي ، فَأَصحَرَني « 5 » لِغَضَبِكَ فَريداً ، وأَخرَجَني إلى فِناءِ نَقِمَتِكَ طَريداً ، لا شَفيعٌ يَشفَعُ لي إلَيكَ ، ولا خَفيرٌ « 6 » يُؤمِنُني عَلَيكَ ، ولا حِصَنٌ يَحجُبُني عَنكَ ، ولا مَلاذٌ ألجَأُ إلَيهِ مِنكَ .
فَهذا مَقامُ العائِذِ بِكَ ، ومَحَلُّ المُعتَرِفِ لَكَ ، فَلا يَضيقَنَّ عَنّي فَضلُكَ ، ولا يَقصُرَنَّ دوني عَفوُكَ ، ولا أكُن أخيَبَ عِبادِكَ التّائِبينَ ، ولا أقنَطَ وُفودِكَ الآمِلينَ ، وَاغفِر لي ، إنَّكَ خَيرُ الغافِرينَ .
اللَّهُمَّ إنَّكَ أمَرتَني فَتَرَكتُ ، ونَهَيتَني فَرَكِبتُ ، وسَوَّلَ لِيَ الخَطاءَ خاطِرُ السّوءِ فَفَرَّطتُ ، ولا أستَشهِدُ عَلى صِيامي نَهاراً ، ولا أستَجيرُ بِتَهَجُّدي لَيلًا ، ولا تُثني عَلَيَّ بِإِحيائِها سُنَّةٌ ، حاشى فُروضِكَ الَّتي مَن ضَيَّعَها هَلَكَ ، ولَستُ أتَوَسَّلُ إلَيكَ بِفَضلِ نافِلَةٍ مَعَ كَثيرِ ما أغفَلتُ مِن وَظائِفِ فُروضِكَ ، وتَعَدَّيتُ عَن مَقاماتِ حُدودِكَ إلى حُرُماتٍ انتَهَكتُها ، وكَبائِرِ ذُنوبٍ اجتَرَحتُها « 7 » ، كانَت عافِيَتُكَ لي مِن فَضائِحِها سِتراً .
وهذا مَقامُ مَنِ استَحيا لِنَفسِهِ مِنكَ ، وسَخِطَ عَلَيها ، ورَضِيَ عَنكَ ، فَتَلَقّاكَ بِنَفسٍ خاشِعَةٍ ، ورَقَبَةٍ خاضِعَةٍ ، وظَهرٍ مُثقَلٍ مِنَ الخَطايا ، واقِفاً بَينَ الرَّغبَةِ إلَيكَ وَالرَّهبَةِ مِنكَ ،
هامش
( 1 ) . المُوبِقُ : أي المُهلِكُ ( النهاية : ج 5 ص 146 « وبق » ) .
( 2 ) . تُرديه : أي توقعه في مهلكة ( النهاية : ج 2 ص 216 « ردا » ) .
( 3 ) . قرفَ الذنب واقترفه : إذا عمله ( النهاية : ج 4 ص 45 « قرف » ) .
( 4 ) . فتله : أي صرفه ( الصحاح : ج 5 ص 1788 « فتل » ) .
( 5 ) . أصحر : أخرج ( الصحاح : ج 2 ص 708 « صحر » ) .
( 6 ) . خَفير : أي حامي وكفيل ( النهاية : ج 2 ص 52 « خفر » ) .
( 7 ) . اجترَحَ : أي اكتسب ( الصحاح : ج 1 ص 358 « جرح » ) .