وأَنتَ أولى مَن رَجاهُ ، وأَحَقُّ مَن خَشِيَهُ وَاتَّقاهُ ، فَأَعطِني يا رَبِّ ما رَجَوتُ ، وآمِنّي ما حَذِرتُ ، وعُد عَلَيَّ بِعائِدَةِ رَحمَتِكَ ، إنَّكَ أكرَمُ المَسؤولينَ .
اللَّهُمَّ وإذ سَتَرتَني بِعَفوِكَ ، وتَغَمَّدتَني بِفَضلِكَ في دارِ الفَناءِ بِحَضرَةِ الأَكفاءِ « 1 » ، فَأَجِرني مِن فَضيحاتِ دارِ البَقاءِ ، عِندَ مَواقِفِ الأَشهادِ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبينَ ، وَالرُّسُلِ المُكَرَّمينَ ، وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ ، مِن جارٍ كُنتُ اكاتِمُهُ سَيِّئاتي ، ومِن ذي رَحِمٍ كُنتُ أحتَشِمُ « 2 » مِنهُ في سَريراتي .
لَم أثِق بِهِم رَبِّ فِي السِّترِ عَلَيَّ ، ووَثِقتُ بِكَ رَبِّ فِي المَغفِرَةِ لي ، وأَنتَ أولى مَن وُثِقَ بِهِ ، وأَعطى مَن رُغِبَ إلَيهِ ، وأَرأَفُ مَنِ استُرحِمَ ، فَارحَمني .
اللَّهُمَّ وأَنتَ حَدَرتَني « 3 » ماءً مَهيناً ، مِن صُلبٍ مُتَضائِقِ العِظامِ ، حَرِجِ المَسالِكِ إلى رَحِمٍ ضَيِّقَةٍ ، سَتَرتَها بِالحُجُبِ ، تُصَرِّفُني حالًا عَن حالٍ ، حَتَّى انتَهَيتَ بي إلى تَمامِ الصّورَةِ ، وأَثبَتَّ فِيَّ الجَوارِحَ كَما نَعَتَّ في كِتابِكَ « نُطفَةً ، ثُمَّ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضغَةً ، ثُمَّ عِظاماً ، ثُمَّ كَسَوتَ العِظامَ لَحماً ، ثُمَّ أنشَأتَني خَلقاً آخَرَ » « 4 » كَما شِئتَ .
حَتّى إذَا احتَجتُ إلى رِزقِكَ ، ولَم أستَغنِ عَن غِياثِ « 5 » فَضلِكَ ، جَعَلتَ لي قوتاً مِن فَضلِ طَعامٍ وشَرابٍ أجرَيتَهُ لِأَمَتِكَ الَّتي أسكَنتَني جَوفَها ، وأَودَعتَني قَرارَ رَحِمِها ، ولَو تَكِلُني يا رَبِّ في تِلكَ الحالاتِ إلى حَولي ، أو تَضطَرُّني إلى قُوَّتي ، لَكانَ الحَولُ عَنّي مُعتَزِلًا ، ولَكانَتِ القُوَّةُ مِنّي بَعيدَةً ، فَغَذَوتَني بِفَضلِكَ غِذاءَ البَرِّ اللَّطيفِ ، تَفعَلُ ذلِكَ بي تَطَوُّلًا عَلَيَّ إلى غايَتي هذِهِ ، لا أعدَمُ بِرَّكَ ، ولا يُبطِئُ بي حُسنُ صَنيعِكَ ، ولا تَتَأَكَّدُ مَعَ ذلِكَ ثِقَتي فَأَتَفَرَّغَ لِما هُوَ أحظى لي عِندَكَ .
هامش
( 1 ) . الأَكفاء : الأمثال ( مجمع البحرين : ج 1 ص 359 « كفأ » ) .
( 2 ) . أحتشمُ : أي أستحي وأنقبض ( النهاية : ج 1 ص 391 « حشم » ) .
( 3 ) . يحدُر ويتحادر : أي ينزل ويقطر ( النهاية : ج 1 ص 353 « حدر » ) .
( 4 ) . إشارة إلى الآيتين : 13 و 14 من سورة المؤمنون .
( 5 ) . الغياث ، من الإغاثة : الإعانة ( النهاية : ج 3 ص 392 « غوث » ) .