وعيسى ، اتّقوا اللَّه وآمنوا برسوله محمّد صلى الله عليه وآله يؤتكم كفلين ، أي يؤتكم نصيبين من رحمته ، نصيباً لإيمانكم بمن تقدّم من الأنبياء ، ونصيباً لإيمانكم بمحمّد صلى الله عليه وآله » . « 1 » ويحتمل أن يكون المراد الكفلين لإيمانه بالرسول وإيمانه بمن تقدّم من الأنبياء عليهم السلام ، قال تعالى :
« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » .
« 2 » يطلب من اللَّه تعالى سهمين من رحمته على الاحتمالين : إمّا في الدنيا والآخرة ، كما في قوله تعالى :
« آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً »
« 3 » سهماً في الّدنيا وسهماً في الآخرة ، أو سهمين في الدنيا وسهمين في الآخرة .
« وورعاً يحجزني عن معاصيك » الوَرَع - بفتحتين - : الكثير الكفّ عن المحارم ، قال الخليل : « الورع : شدّة التحرّج ، ورجل ورع : متورّع إذا كان متحرّجاً ، وسُمّي الجبان ورعاً ، وراجع أيضاً النهاية » . « 4 » قال في مجمع البحرين : « قال بعض شرّاح الحديث : وهو أقسام : فمنه ما يخرج المكلّف عن الفسق ، وهو الموجب لقبول الشهادة ، ويُسمّى ورع التائبين ، ومنه ما يخرج به عن الشبهات ، فإنّ من رتع حول الحمى يوشك أن يدخل فيه ، ويسمّى ورع الصالحين ، ومنه ترك الحلال الذي يتخوّف انجراره إلى المحرّم ، ويُسمّى ورع المتّقين ، وعليه حمل قوله صلى الله عليه وآله : «
لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة أن يكون فيه بأس
» ، ومثل :
بترك الكلام عن الغير مخافة الوقوع في الغيبة ، ومنه الإعراض عن غير اللَّه خوفاً من ضياع ساعة من العمر فيها لا فائدة فيه ، ويُسمّى ورع الصدّيقين » . « 5 »
هامش
( 1 ) . مجمع البيان : ج 9 ص 405 .
( 2 ) . البقرة : 136 .
( 3 ) . البقرة : 201 .
( 4 ) . العين : ج 2 ص 242 ، النهاية : ج 5 ص 174 .
( 5 ) . مجمع البحرين : ج 4 ص 490 ، ورد في الحثّ على الورع أحاديث كثيرة ، انظر : السفينة ومستدركها ، وانظر : بحار الأنوار : ج 67 ص 296 وما بعدها ، كقوله عليه السلام : « أوصيك بتقوى اللَّه والورع والاجتهاد ، واعلم إنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه » ، و « اتّقوا اللَّه وصونوا دينكم بالورع » ، و « لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه » ، و « إنّ أشدّ العبادة الورع » ، و « ليس منّا ولا كرامة من كان في مصر فيه مئة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد أورع منه » ، و « أنا لا نعدّ الرجل مؤمناً حتّى يكون لجميع أمرنا متّبعاً ومريداً ، ألا وأنّ من اتّباع أمرنا وإرادته الورع ، فتزيّنوا به يرحمكم اللَّه ، وكيدوا أعداءنا به ينعشكم اللَّه » ، وفي الصحيفة السجّادية : الدعاء 20 : « وورعاً في أجمال » أي في رفق اقتصاد ، غير خارج إلى حدّ الإفراط والوسواس ( انظر : رياض السالكين : ج 3 ص 428 ) .