وهي نوع من شعور في الإنسان يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسّية أو فكريّة ، وأنّ للإنسان شعوراً بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل ، بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ، ولا يجرّه إلى الغفلة عنه إلّااشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها ، وهي مع ذلك غفلة عن أمرٍ موجود مشهود لا زوال علم بالكلّية ومن أصله ، فليس فكلامه تعالى ما يشعر بذلك ألبتّة ، بل عبّر عن هذا الجهل بالغفلة ، وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم ، فهذا ما يبيّنه كلامه سبحانه ويؤيّده العقل بساطع براهينه ، وكذا ما ورد من الأخبار عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام .
والذي ينجلي من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المُسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد اللَّه يوم القيامة ، كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
، « 1 » فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف ، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية ، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربّه ، كادح إلى ربّه كدحاً ليلاقيه ، فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتمّ له حتّى يلاقي ربّه ، قال تعالى :
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ »
. » « 2 » هذا ، وقال بعض : « إنّ لقاء اللَّه هو لقاء ما وعده للمؤمن من الكرامات من الجنّة ونعيمها ، ولقاء ما أوعده اللَّه الكفّار والفسّاق من ضغطة القبر وعذابه أو البعث والحشر والحساب والجحيم . وحكي عن الشهيد رحمه الله في الذكرى : من أنّ حبّ لقاء اللَّه غير مقيّد بوقت ، فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحبّ ، وأشار إلى حديث عبد الصمد بن بشير عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : قلت له : أصلحك اللَّه من أحبّ لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه ومن أبغض لقاء اللَّه أبغض اللَّه لقاءه ؟ قال : نعم ، قلت : فواللَّه أنا لنكره الموت ، فقال : ليس ذلك حيث تذهب ، إنّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحبّ فليس شيء أحبّ إليه من أن يتقدّم ، واللَّه يحبّ لقاءه وهو يحبّ لقاء اللَّه الحديث » . « 3 »
هامش
( 1 ) . القيامة : 22 - 23 .
( 2 ) . الانشقاق : 6 ، انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ص 241 .
( 3 ) . انظر : بحار الأنوار : ج 6 ص 129 ، وج 78 ص 267 .