وقد رجّح الشيخ أبو عليّ بن سينا كون الإدراك للقلب بمعنى أنّ دخالة الدماغ فيه دخالة الآلة ، فللقلب الإدراك وللدماغ الوساطة » ، انتهى بتلخيص منّا . « 1 » أقول : ظاهر كلام الشيخ أبو علي أنّ للقلب الرئاسة ، بمعنى أنّه المصدر الذي يصدر منه الأحكام ، لا بمعنى أنّه أوّل متعلّق الروح كما تقدّم عن الأُستاذ قدس سره ، ويؤيّد كلام الشيخ أبو علي ظواهر الآيات الكريمة من الاستناد الحقيقي وتأكيده بقوله تعالى :
« وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
، « 2 » وأنّه سبحانه كما أنّه ينسب هذه الأوصاف إلى القلب ينسبها إلى الصدور بقوله :
« عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
، « 3 » وقوله :
« شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ »
، « 4 » إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .
ويومأ إليه ما في الأحاديث الشريفة : «
في الإنسان مضغة إذا هي سلمت وصحّت سلم بها سائر الجسد » ، « 5 » « وأعجب ما في الإنسان قلبه ، وله موادّ من الحكمة » ، « 6 » و « لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة وهي أعجب ، ما فيها وذلك القلب ، وله موادّ من الحكمة أضدادها » . « 7 »
نعم لم توفّق الأبحاث العلمية على كيفية الأمر إلى الآن ، ولعلّ اللَّه يحدث بعد ذلك أمراً ، وقد تكلّم في ذلك العلّامة المجلسي رحمه الله في البحار ، « 8 » قال : « اعلم إنّ معرفة القلب وحقيقته وصفاته ممّا خفي على أكثر الخلق ، ولم يبيّن أئمّتنا ذلك إلّابكنايات وإشارات ، والأحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بيّنوه لنا من صلاحه وفساده ، وآفاته ودرجاته ، ونسعي في تكميل هذه الخلقة العجيبة واللّطيفة الرّبانيّة ، وتهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانيّة ، وتحليتها
هامش
( 1 ) . الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ص 224 - 225 .
( 2 ) . الحج : 46 .
( 3 ) . آل عمران : 119 ، و 154 ، والمائدة : 7 ، والأنفال : 42 ، وهود : 5 ، ولقمان : 23 ، وفاطر : 38 ، والزمر : 19 ، والشورى : 24 ، والحديد : 6 ، والتغابن : 4 ، والملك : 13 .
( 4 ) . يونس : 57 .
( 5 ) . الخصال : ص 31 ، روضة الواعظين : ص 413 ، انظر : بحار الأنوار : ج 67 ص 50 .
( 6 ) . نهج البلاغة : الحكمة 108 ، الكافي : ج 8 ص 21 ، تحف العقول : ص 95 ، الإرشاد : ج 1 ص 301 ، انظر : بحار الأنوار : ج 5 ص 56 .
( 7 ) . نهج البلاغة : الحكمة 108 ، بحار الأنوار : ج 67 ص 90 .
( 8 ) . انظر : بحار الأنوار : ج 67 ص 34 .