تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
فإنّ التعقّل والتفكّر والحبّ والبغض والخوف وأمثال ذلك ، وإن أمكن أن ينسبه أحد إلى القلب باعتقاد أنّه العضو المدرك في البدن على ما ربّما يعتقده العامّة ، كما يُنسب السمع إلى الأُذن والإبصار إلى العين والذوق إلى اللّسان ، لكنّ الكسب والاكتساب ممّا لا يُنسب إلّاإلى الإنسان البتة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى :
« فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ »
، « 1 » وقوله تعالى :
« وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ » .
« 2 » والظاهر أنّ الإنسان لمّا شاهد نفسه وسائر أصناف الحيوان وتأمّل فيها ، ورأى أنّ الشعور والإدراك قد تبطل ، والحياة باقية بحركة القلب دون العكس ، قطع بأنّ مبدأ الحياة هو القلب ، أي أنّ الروح التي يعتقدها في الحيوان أوّل تعلّقها بالقلب ، وأنّ الآثار والخواصّ الروحية مثل الشعور والإدراك والإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف وأمثال ذلك للقلب بعناية أنّه أوّل متعلّق الروح ، وهذا لا ينافي كون كلّ عضو من الأعضاء مبدأ لفعله الذي يختصّ به ، كالدماغ للفكر والعين للإبصار . وربّما يؤيّده التجارب العلمية أنّ الطيور لا تموت بفقد الدماغ ، ويؤيّده أيضاً أنّ الأبحاث الطبيعية لم توفّق حتّى اليوم لتشخيص المصدر الذي يصدر عنه الإحكام البدنية . . . فهذا - على ما يظهر - هو السبب في إسنادهم الإدراك والشعور وما لا يخلو عن شوب إدراك مثل الحبّ والبغض والرجاء والخوف والقصد والحسد والعفّة والشجاعة والجرأة ونحو ذلك إلى القلب ، ومرادهم به الروح المتعلّقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته ، فينسبونها إلى الروح . . . . وفي القرآن شيء كثير من هذا الباب ، قال تعالى :
« يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ »
، « 3 » وقال تعالى :
« أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ »
، « 4 » وقال تعالى :
« وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ »
، « 5 » وهو كناية عن ضيق الصدر ، وقال تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
، « 6 » وليس من البعيد أن تكون هذه الإطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر وإن لم يتّضح كلّ الاتّضاح بعد ،
هامش
( 1 ) . البقرة : 283 . ( 2 ) . ق : 33 . ( 3 ) . الأنعام : 125 . ( 4 ) . الحجر : 97 . ( 5 ) . الأحزاب : 10 . ( 6 ) . المائدة : 7 .