فلان تبعة وتباعة ؛ أي ظلامة ، « 1 » وما يترتّب على الفعل من الخير والشرّ ، إلّاأنّ استعماله في الشرّ ، يقال : لهذا الفعل تبعة ؛ أي خوف شرّ وضرر ، والمراد هنا ، إلباس ثوب العفو والصفح من كرمه تعالى ، حتّى لا يرى له عمل له تبعة خوفاً من الفضيحة ، وهذا أمر وراء العفو ، وهو معلوم ، ولذلك قال بعده : « وتغفرها لي » أي التبعات بعد سترها .
« ولا أُطالب بها » ، أي لا أؤ اخذ بها ولا أُعاقب ، يقال : طالبه مطالبةً ؛ طلبه بحقّ له عليه ، وعلّل ذلك كلّه بقوله : « إنّك ذو منّ » أي ذو إحسان ، والمنّة : النعمة الثقيلة ، ويقال ذلك على وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك بالفعل ، فيقال : منّ فلان على فلان ؛ إذا أثقله بالنعمة ، وعلى ذلك قوله :
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
، « 2 »
« كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ »
، « 3 » وذلك على الحقيقة لا يكون إلّاللَّهتعالى .
والثاني : أن يكون ذلك بالقول ، وذلك مستقبح فيما بين الناس . . . وقوله :
« يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ »
، « 4 » فالمنّة منهم بالقول ، ومنّة عليهم بالفعل ، وهو هدايته إيّاهم . « 5 » منّ عليه : أنعم عليه من غير تعب ولا نصب واصطنع عنده صنيعة وإحساناً ، ومنّ عليه عدّله ما فعله من الصنائع . والمراد هنا إحسانه تعالى على العباد وأنّ إحسانه عزّ شأنه « قديم » سابق بحيث كأنّه سنّة وعادة له تعالى عوّد عباده بذلك ، كأنّه يستدلّ على طلب ذلك بذلك ، كما في الدعاء : «
واشفع لي أوائل مننك بأواخرها » . « 6 »
« وصفح عظيم » ، الصفح : ترك اللّوم والتعيير ، وهو أبلغ من العفو ، ولذلك قال :
« فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ »
، « 7 » وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وصفه بالعظيم ؛ لعظم ما يصفح عنه .
« وتجاوز كريم » أي صفح كريم جامع لأنواع الخير والشرف والفضائل .
هامش
( 1 ) . انظر : مفردات ألفاظ القرآن : ص 327 .
( 2 ) . آل عمران : 164 .
( 3 ) . النساء : 94 .
( 4 ) . الحجرات : 17 .
( 5 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 474 .
( 6 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 47 .
( 7 ) . البقرة : 109 .