السالكين وأفكار المتفكّرين ، فإنّهم لا يزالون يترقّون من مقامٍ إلى مقام ومن رتبةٍ إلى رتبة ، حتّى ينتهوا إلى تلك الحضرة بفنائهم واندكاك حبال هويّاتهم ، فيتلو لسان حالهم :
« أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى »
.
الثالث : إنّه المنتهى إليه في طلب الحاجات عند اليأس من كلّ مطلوب إليه سواه .
الرابع : إنّ كلّ مطلوب إليه حاجة سواه فلا بدّ أن يكون له حاجة يطلبها من غيره إلى أن ينتهى الطلب إليه تعالى ، وهو الذي يطلب منه الكلّ ويفتقر إليه وهو الغنيّ الحميد ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام :
إنّ كلّ مترئّس في هذه الدنيا ومتعظّم فيها وإن عظم غناه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه ، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم ، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها ، فينقطع إلى اللَّه عند ضرورته وفاقته
» ، انتهى . « 1 » « فرّق بيني وبين ذنبي المانع من لزوم طاعتك » الفرق يقارب الفلق ، لكنّ الفلق يقال اعتباراً بالانشقاق ، والفرق يقال اعتباراً بالانفصال ، والمراد إمّا الفصل بينه وبين الذنب بالغفران ومحو آثاره التكليفية والوضعيّة ، أو الفصل بينه وبينه بتوفيقه تركه ، يعني باعد بيني وبين الذنوب الّتي أثرها المنع عن لزوم الطاعة ، وامنعني عن ارتكابها .
وفي الحديث عن أبي عبد اللَّه عليه السلام : «
إنّ الرجل يذنب الذنب فيُحرم صلاة اللّيل ، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللّحم » . « 2 »
وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : «
كان أبي يقول : ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة ، فلا تزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله » . « 3 »
وعن أبي بصير قال : « سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول :
إذا أذنب الرجل خرج من قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب انمحت ، وإن زاد زادت حتّى تغلب على قلبه ، فلا يفلح بعدها أبداً » . « 4 »
هامش
( 1 ) . رياض السالكين : ج 3 ص 12 .
( 2 ) . الكافي : ج 2 ص 272 ، انظر : بحار الأنوار : ج 70 ص 330 .
( 3 ) . الكافي : ج 2 ص 368 ، الأمالي للصدوق : ص 481 ، الأمالي للطوسي : ص 438 ، روضة الواعظين : ص 414 ، انظر : بحار الأنوار : ج 67 ص 54 .
( 4 ) . الكافي : ج 2 ص 371 ، انظر : بحار الأنوار : ج 70 ص 327 .