وفراق الصالحين .
البكاء : ينشأ من حالة رقّة في القلب ، وعللها كثيرة ، إمّا لمصيبة وشدّة ، وإمّا لشوق ما يسرّ ويفرح ، فالإنسان يبكي على الخوف والجوع وفقدان الآباء والأولاد والأحبّة والمال ومرض وضرر على بدنه . . . إلخ .
وإذا كان ذا معرفة وعارفاً بالأمراض والمصائب الروحية وما تثمر من العواقب السيّئة من بعده عن اللَّه تعالى وانحطاط قدره عنده والعذاب الأليم الذي أعدّه اللَّه تعالى لمن عصاه ، لكان بكاؤه وحزنه وتفجّعه أكثر ممّا كان على المصائب الدنيوية وأشدّ .
وفي الحديث عن الصادق عليه السلام : «
إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أتى شاباً من الأنصار فقال : « إنّي أُريد أن أقرأ عليكم ، فمن بكى فله الجنّة ، فقرأ آخر الزمر :
« وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً »
« 1 » . . .
إلى آخر السورة فبكى القوم جميعاً إلّاشابّ ، فقال : يا رسول اللَّه قد تباكيت فما قطرت عيني ! قال :
إنّي معيد عليكم فمن تباكى فله الجنّة ، قال : فأعادها عليهم فبكى القوم وتباكى الفتى ، فدخلوا الجنّة جميعاً » ، « 2 » وفيه : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : «
من علامات الشقاء . جمود العين ، وقسوة القلب ، وشدّة الحرص في طلب الرزق ، والإصرار على الذنب » . « 3 »
والتباكي : تكلّف البكاء .
وقد روت آيات كثيرة في فضل البكاء من خشية اللَّه ، قال سبحانه وتعالى :
« فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
، « 4 » وقال تعالى :
« وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً »
، « 5 » وقال سبحانه :
« أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ » .
« 6 » « وقد أفنيت بالتسويف والآمال عمري » كأنّه يشير إلى علل البكاء ، منها فناء العمر بالتسويف ، وفيه : « من سوّف الحجّ حتّى يموت ، بعثه اللَّه يوم القيامة يهوديّاً ، ذاك الذي يسوّف
هامش
( 1 ) . الزمر : 71 .
( 2 ) . الأمالي للصدوق : ص 638 ، بحار الأنوار : ج 90 ص 328 .
( 3 ) . الكافي : ج 2 ص 290 ، الخصال : ص 243 ، روضة الواعظين : ص 414 ، مشكاة الأنوار : ص 447 ، انظر : بحار الأنوار : ج 67 ص 52 .
( 4 ) . التوبة : 83 .
( 5 ) . الإسراء : 109 .
( 6 ) . النجم : 60 .